مسيحنا آتٍ ، فلنخرج للقائه
يقترب عيد الفصح عند اليهود والجموع تتقاطر للتحضير للعيد والاحتفال به، يسمعون أخبار الأعمال التي يقوم بها يسوع، وكان آخرها إحياء لعازر من القبر بعد دفنه بأربعة أيام، يتساءلون عن مكان وجوده، ينتظرون مشاركته بفارغ الصبر. فمَنْ أَولَى منه بالانتظار؟ وهو الذي يعطي الحياة للميت الذي أنتن، فيقيمه من القبر.
في هذا الجو المملوء بالإنتظار يتناهى الى الجموع أن يسوع آتٍ، فتخرج للقائه، ولاستقباله استقبال الملوك، لا بل استقبال الآلهة؛ لا أحد يستطيع أن يمنح الحياة سوى الاله وحده.
شهادة الذين عاينوا إحياء لعازر فَعَلَت فِعْلَها، ليس فقط عند الجموع التي تهتف اليوم وتبارك الرب، إنما ايضاً لدى رؤساء اليهود الذين ضاقوا ذرعاً به يأتي بالآيات والخوارق، فتتبعه الجموع، وبالتالي يخسرون هيبتهم ومكانتهم أمام اندفاعته وقوة وجوده.
تداعوا الى اجتماع، ليس لمراجعة كتبهم المقدسة والدخول في تأمّل طويل حول ما يمكن أن يكون عليه يسوع، ولا حول نبوءات الأنبياء وهل هي بالفعل تتحقق، إنما من أجل التباحث في أمرِ وضع حدٍ لتصرفات يسوع، والانتهاء من هذه "المهزلة" بنظرهم، فهو يضلّل الشعب ويبعده عن الحق، علمًا أن أعماله لا تدل على ذلك، لا بل باعترافهم هم:" ليس أحد يستطيع أن يعمل الاعمال التي يعملها إلا من كان الله معه". وعلى رغم ذلك قرَّروا القضاء عليه وتسليمه الى الموت، والحجّة هي الخوف من الرومان، فيقولون في مجلسهم: " ماذا نعمل؟ وهذا الرجل يصنع آيات كثيرة. فإذا تركناه على هذه الحال آمن به جميع الناس، فيجيء الرومانيون ويخرّبون هيكلنا وأمّتنا" ( يو 11- 47- 48)
كم هو سخيف ما يفكر به البشر المتسلّطون أمام عظمة المسيح وعطاءاته، اذا كانت
مشكلة رؤساء اليهود هي الآيات التي يصنعها يسوع، فما دخل الرومان بالموضوع؟
أما إذا كانت مشكلتهم مع إيمان الناس به فتلك معضلة لا حلَّ لها! او بالأحرى حلُّها لا يمكن أن يكون بمتناول أشخاص استندوا على الكتب المقدسة لبناء سلطة لا يبغون منها سوى التسلّط على الناس بدل جذبهم للوصول الى سر محبة الله لهم.
هذا هو سر يسوع الكلمة المتجسّد، لقد استند على الكتب المقدسة، لجذب انتباه الناس على عظمة محبة الله لهم. وعندما تكون المحبة هي الحافز يصبح الايمان هو الدافع.
تجمهر الناس حول يسوع الراكب على جحش ابن أتان يصرخون "هوشعنا، تبارك الآتي باسم الرب" (يو 12/ 13). استقبلوه استقبال الجماهير المتعطّشة الى قائد يفهم شعبه ويعرف معاناته، وينحني على ضعفه، وليس كرؤسائهم الذين لا همَّ لهم سوى السلطة.
أما يسوع العالم بخفايا القلوب رضي بمديح الأطفال والرضّع في شوارع أورشليم لا لشيء سوى لإعلان أن التواضع والسلام هما القيمتان اللتان تُبنى عليهما محبة الناس.
وحدهم الأطفال والرضّع لا يعرفون الكذب ولا يتبعون المصالح الضيقّة ولا تعنيهم الرئاسات والسلاطين، هم الذين قال عنهم يسوع:" إن لم تعودوا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت السموات".
وحدهم يعرفون معنى الحب الحقيقي ويقبلونه ببساطة ويعيشونه بعمق وتجرّد.
إن دخول يسوع إلى أورشليم وإن كَشَفَ الحقيقة المرّة عن تصرّف رؤساء اليهود وعدم استطاعتهم القبول بحقيقة حضور الله بين البشر التي تتخطّى كل الشكليّات. أظهر أن الرب آتٍ كي يحاكي القلوب النقية الصادقة، الآتية الى العيد كي تصلّي، وكي تلتقي وجه الرب، وكي تؤدي الشكر والسجود له. ولا يأبه لكل المتسلّطين والمتمـترسين وراء السلطة كي يفرضوا إلها على قياسهم وكما هم يريدون.
امنحنا أيها الرب الاله، الداخل الينا اليوم على جحش ابن أتان أن ندرك عظمة حضورك المتواضع بيننا، فنخلع عنا الانسان العتيق انسان المصالح الضيّقة والحسابات الرخيصة؛ ونلبس الطفولة الروحية التي تُسبغها علينا من خلال صرخات "الهوشعنا". فنسير معك على طرقات الحياة حاملين صليبك حافظين وصاياك شاكرين انحناءك علينا. آمين
الخوري بيار صعب