المسيح يحيا
الإرشاد الرسولي للشبيبة المسيحية (6)
41. في حين أن هناك شبيبة يفرحون عندما يرون كنيسة تثق بكل تواضع بمواهبها، وقادرة أيضًا على ممارسة نقد أمين وأخوي، يطالب شبيبة آخرون الكنيسة بأن تستمع أكثر، وألّا تقضي وقتها بالحكم على العالم. إنهم لا يريدون أن يروا كنيسة صامتة وخجولة، ولا كنيسة في حالة حرب دائمة بسبب موضوعين أو ثلاثة تستحوذ عليها. إنها تحتاج أحيانًا، كي تكون مصداقة إزاء الشبيبة، إلى استعادة التواضع والاصغاء ببساطة، وإلى أن ترى في أقوال الآخرين بعضَ النور الذي يساعدها على فهم الإنجيل بشكل أفضل. إن الكنيسة التي تتّخذ موقفًا دفاعيًّا، والتي تفقد التواضع، وتتوقّف عن الاصغاء، والتي لا تسمح بأن تُستجوب، تفقد الشباب وتتحوّل إلى متحف. وكيف يمكنها أن ترحّب بأحلام الشباب بهذه الطريقة؟ حتى لو كانت تملك حقيقة الإنجيل، هذا لا يعني أنها فهمته بالكامل؛ إنما عليها أن تنمو دائما في فهم ذاك الكنز الذي لا ينضب.
42. على سبيل المثال، إن كنيسة تُفرِطُ في الخوف وفي النظام قد تنتقد على الدوام الجهود المبذولة للدفاع عن حقوق المرأة، وأن تشير باستمرار إلى المخاطر والأخطاء المحتملة لتلك المطالب. أمّا الكنيسة الحيّة، فقد تتفاعل عبر اهتمامها بالمطالب المشروعة للنساء اللواتي يطالبن بالمزيد من العدالة والمساواة. تقدر أن تنظر إلى التاريخ وتقرّ بنمط طويل من الاستبداد الرجولي، والهيمنة، ومن أشكال مختلفة من الاستعباد والاعتداء والعنف الجنسيّ. وتصبح قادرة، بهذه النظرة، أن تتبنّى المطالبة بهذه الحقوق، وتقدّم مساهمتها بقناعة من أجل المزيد من التبادل بين الرجال والنساء، حتى وإن كانت لا توافق على كلّ ما تقترحه بعض الجماعات النسائية. في هذا السياق، أراد السينودس تجديد التزام الكنيسة ”ضدّ كلّ أنواع التمييز والعنف الجنسيّ“. هذا هو ردّ كنيسة لا تزال شابّة، وتسمح لحساسية الشبيبة بأن تدعوها للتفكير وتحفّزها.
مريم، صبية الناصرة
43. في قلب الكنيسة، تشرق مريم. إنها النموذج الأعظم للكنيسة الشابّة التي تريد أن تتّبع المسيح بنضارة وطاعة. عندما تلقّت بشارة الملاك، كانت في أوّل صباها، ولم تمتنع من طرح الأسئلة (لو 1، 34). لكن روحها كانت مستعدّة وقالت: ”أَنا أَمَةُ الرَّبّ“ (لو1، 38).
44. ”إن قوّة الـ ”نعم“ التي قالتها مريم، الشابّة، تثير الإعجاب دائمًا. قوّة ”فَليَكُنْ لي“ التي قالتها للملاك. لم يكن قبولًا سلبيًّا أو قبولًا خاضعًا. كان مختلفًا عن ”نعم“ يشبه القول: ”حسنًا، لنرى ما سيحدث“. لم تكن تعرف مريم هذه العبارة: لنرى ما سيحدث. كانت حاسمة، فهمت المسألة وقالت ” نعم“، دون لف ودوران. كان أمرًا أكثر من ذلك، كان أمرًا مختلفًا. كان ” نعم“ الذين يريدون المشاركة والمخاطرة، الذين يريدون أن يراهنوا على كلّ شيء، دون أيّ ضمانات أخرى سوى أنهم على يقين من أنهم حاملو الوعد. وأسال كلّا منكم: هل تشعرون أنكم حاملو الوعد؟ أيّ وعد أحمل في قلبي، وعد أتقدّم به؟ كانت مريم دون شكّ أمام مهمّة صعبة، لكن الصعوبات لم تكن سببًا لتقول ”كلا “. كان عليها بالطبع أن تواجه تعقيدات، لكن لم تكن نفس التعقيدات التي تحدث عندما يشلّنا الخوف لأن كلّ شيء ليس واضحًا بالنسبة لنا أو مضمونًا مسبقًا. لم تشترِ مريم تأمينا على حياتها! مريم خاطرت بحياتها، ولذا فهي قوية، ولذا هي ”ذات تأثير“، هي ”ذات تأثير“ عند الله! لقد كانت الـ ”نعم“ والرغبة في الخدمة أقوى من الشكوك والصعوبات“.
45. دون أن تستسلم للمراوغات أو للسرابات ”عرفت كيف ترافق ألم ابنها، وتدعمه بنظرتها وتحميه بقلبها. ألم عاشته، ولكنه لم يحنها. لقد كانت المرأة القوية، امرأة الـ ”نعم“، التي تدعم وترافق، وتحمي وتحتضن. إنها حارسة الرجاء العظيمة نتعلّم منها كيف نقول ”نعم“ للصبر المتشبث ولإبداع أولئك الذين لا ييأسون، ويبدأون من جديد“.
46. كانت مريم الفتاة ذات الروح العظيمة التي ابتهجت (لو 1، 47)، كانت الفتاة الصغيرة التي أنار عينيها الروح القدس والتي تأمّلت بالحياة بإيمان وكانت تحفظ كلّ شيء في قلبها الشابّ (لو 2، 19. 51). كانت الشخص الذي لا يهدأ، وفي مسيرة دائمة، ولم تفكّر في مشاريعها الخاصة عندما علمت أن قريبتها بحاجة إليها، بل ”مَضَت مُسرِعَةً إِلى الجَبَل“ (لو 1، 39).
47. عندما كان ابنها بحاجة إلى الحماية، انطلقت مع يوسف إلى أرض بعيدة (متى 2، 13- 14). لذا بقيت وسط التلاميذ المجتمعين في الصلاة انتظارًا لحلول الروح القدس (رسل 1، 14). هكذا وبحضورها، وُلدت كنيسة شابّة، ورسلها ”في انطلاق“ كي يعملوا على ولادة عالم جديد (رسل 2، 4- 11).
48. إن مريم اليوم، هي الأمّ التي تسهر على أبنائها، علينا نحن الذين نسير في رحلة الحياة، وغالبًا ما نكون متعبين ومحتاجين، ولكن توّاقين لئلا يتلاشى نور الرجاء. لأن هذا ما نريده: ألّا يتلاشى الرجاء. إن أمّنا تنظر إلى هذا الشعب الحاجّ: شعب شابّ تحبّه، ويبحث عنها بصمت القلب رغم كلّ الضجيج والمحادثات والتشتّت على طول الطريق. تحت نظر أمّنا، وحده صمت الرجاء له مكان. وهكذا تنير مريم شبابنا من جديد. يتبع