المسيح يحيا
الإرشاد الرسولي للشبيبة المسيحية (10)
80. إن بعض الشبيبة ”يجدون التقاليد الأسرية قمعية ويهربون منها تحت حافز ثقافة العولمة التي تحرمهم أحيانا من نقاط مرجعية. في أجزاء أخرى من العالم، هناك أكثر من صراع بين الأجيال يفصل الشبيبة عن البالغين، هناك غربة متبادلة. ويفشل الكبار أحيانًا في نقل القيم الأساسية للحياة، أو حتى أنهم لا يحاولون، بل يتبنّون نمط الشبيبة، فيقلبون العلاقة بين الأجيال. وبالتالي، فإن العلاقة بين الشبيبة والبالغين تكاد تبقى على المستوى العاطفي، غافلة عن جوانبها التعليمية والثقافية“. كم أن هذا مضرّ بالشبيبة، على الرغم من أن البعض لا يلاحظ ذلك! إن الشبيبة أنفسهم قد جعلونا نلاحظ كم أن هذا الأمر يجعل من الصعب جدًّا نقل الإيمان ”في بعض البلدان حيث لا توجد حرّية التعبير، وحيث يُمنعون من المشاركة في الكنيسة“.
رغبات، جراح وتساؤلات
81. يدرك الشبيبة أن الجسد والجنس لهما أهمّية أساسية في حياتهما وفي مسيرة نموّ هويتهم. ومع ذلك، في عالم يشدد بشكل مفرط على الحياة الجنسية، من الصعب الحفاظ على علاقة جيدة مع جسده والعيش بهدوء في علاقات عاطفية. لهذا السبب ولأسباب أخرى، غالبًا ما تكون القواعد الأخلاقية الجنسية مصدر ”سوء فهمٍ وبعدٍ عن الكنيسة، حيث ينظر إليها كمكان للحكم والإدانة“. في الوقت عينه، يعبّر الشبيبة عن ”رغبة صريحة في مناقشة الأسئلة المتعلّقة بفرق الهويّة بين الذكر والأنثى، والتبادلية بين الرجال والنساء، والمثلية الجنسية“.
82. إن تطوّر العلوم والتكنولوجيات الطبّية الحيويّة في عصرنا، ”قد أثّر بقوّة على المفاهيم حول الجسم، مما أدّى إلى فكرة أنه قابل للتعديل دون حدود. القدرة على التدخّل في الحمض النووي، وإمكانية إدخال عناصر اصطناعية في الكائنات(cyborgs)
وتطوير العلوم العصبية، تشكّل موردًا عظيمًا، ولكنها في الوقت نفسه تطرح أسئلة أنثروبولوجية وأخلاقية“. ويمكن أن تجعلنا ننسى أن الحياة هي هبة، وأننا مخلوقات محدودة، وأنه يمكن استغلالنا بكلّ سهولة من قبل أولئك الذين يملكون القدرة التكنولوجية. ”علاوة على ذلك، في بعض سياقات الشبيبة، هناك انتشار متزايد للانجذاب نحو المخاطرة كوسيلة لاستكشاف الذات، والبحث عن الإثارة وعن اكتساب الاهتمام هذه الحقائق، التي تتعرّض لها الأجيال الناشئة، تشكّل عقبة لعملية نضجٍ هادئ“.
83. يعاني الشبيبة أيضًا من نكسات وخيبات أمل وذكريات مؤلمة للغاية. وغالبًا ما تكون ”جراح الفشل في تاريخهم الخاص، والرغبات المحبطة، وتجارب التمييز والظلم، والشعور بأنهم غير محبوبين وغير مقبولين“. ثم هناك أيضًا ”جروح أخلاقيّة، وعبء أخطاء الماضي، والشعور بالذنب لارتكاب الأخطاء“. يسوع يحضر وسط صلبان الشبيبة هذه؛ كي يقدّم لهم صداقته، وعزاءه، ورفقته الشافية. وتريد الكنيسة أن تكون أداة يسوع في مسيرة الشفاء الداخليّ هذه وسلامة القلب.
84. نرى في بعض الشبيبة توقًا لله، وإن كان لا يزال غامضًا وبعيدًا عن معرفة إله الوحي. ونلمح عند آخرين حلمًا بالأخوّة البشرية، وهذا ليس بالأمر اليسير. كثيرون لديهم رغبة حقيقيّة في تطوير مواهبهم من أجل تقديم شيء لعالمنا. ونرى في بعضهم، حساسيّة فنّية خاصّة، أو شوق إلى الانسجام مع الطبيعة. وهناك في حالات أخرى، ربّما، حاجة كبيرة للتواصل. ونجد في العديد منهم، رغبة عميقة في عيش حياة مختلفة. إنها نقاط انطلاق حقيقيّة، وألياف داخلية تنتظر بانفتاح كلمةَ تحفيزٍ ونور وتشجيع.
85. ”إن البيئة الرقميّة هي سمة من سمات العالم المعاصر. وهي تغمر قطاعات واسعة من الإنسانية بطريقة عاديّة ومستمرّة. وهي ليست مجرّد ”استخدام“ لوسائل الاتّصال، بل عيش في ثقافة أصبحت بمعظمها رقميّة، وهي تؤثّر بشكل عميق على مفهوم الزمان والمكان، وعلى فهمنا الذاتيّ، وفهمنا للآخرين وللعالم، وطريقتنا بالتواصل والتعلم والاستعلام والدخول في علاقة مع الآخرين. إنها مقاربة للواقع تعطي الأولويّة للصور قبل الاصغاء والقراءة، وأثّرت في طريقة تعلّم الناس وتنمية حسّهم النقدي“.
86. لقد خلق الإنترنت والشبكات الاجتماعية طريقة جديدة للتواصل ولخلق الروابط، وهي ”ساحة عامّة حيث يقضي الشبيبة الكثير من وقتهم ويلتقون بسهولة مع بعضهم البعض، حتى وإن لم يكن لجميعهم إمكانيّة الحصول عليها بطريقة متساوية، خاصّة في بعض مناطق العالم. وهي توفّر في بعض الأحيان، فرصة استثنائية للحوار واللقاء والتبادل بين الأشخاص، فضلًا عن الحصول على المعلومات والمعرفة. من ناحية أخرى، يشكّل العالم الرقمي إطار مشاركة اجتماعية-سياسية ومواطنة ناشطة، ويمكنه تسهيل تداول المعلومات المستقلّة التي توفّر حماية فعّالة لأكثر الفئات ضعفًا، وتسلّط الضوء على انتهاك حقوقهم. في العديد من البلدان، تمثّل شبكات الإنترنت والشبكات الاجتماعية مكانًا لا غنى عنه للوصول إلى الشبيبة وإشراكهم، حتى في المبادرات والأنشطة الرعوية“.