المسيح يحيا
الإرشاد الرسولي للشبيبة المسيحية (15)
115. أنت ثمين حقًّا في عينيه، ولست حقيرًا؛ بل أنت مهمّ بالنسبة له، لأنك صنع يديه. ولهذا فهو يهتمّ لأمرك وينظر إليك بحنان. ”ثقوا بذاكرة الله: إن ذاكرته ليست ”قرصًا صلبًا“ يسجّل معلوماتنا كلّها، إن ذاكرته هي قلب تعاطف حنون، يفرح في إلغاء كلّ أثر فينا للشرّ نهائيا“. لا يريد أن يتتبّع إخطاءك وفي أيّ حال، سوف يساعدك على تعلّم شيء ما، حتى من أخطائك. لأنه يحبّك. حاول أن تبقى صامتًا للحظة واسمح له أن يحبّك. حاول إسكات كلّ الأصوات والضوضاء في داخلك، وابقَ لحظة في أحضان حبّه.
116. إنها ”محبّة لا تفرض نفسها ولا تسحق، محبّة لا تهمّش ولا تُسكّت، محبّة لا تذلّ ولا تُخضع. إنها محبّة الربّ، محبّة يوميّة، كتومة وتحترم، محبّة حرّية ومحبّة للحرّية، محبّة تشفي وترفع. إنها محبّة الربّ، التي تعرف النهوض أكثر من السقوط، والمصالحة أكثر من الحظر، وإعطاء الفرص الجديدة أكثر من الإدانة، والمستقبل أكثر من الماضي“.
117. عندما يطلب منك أمرًا ما أو عندما يسمح بكلّ بساطة بأن تواجه التحدّيات التي تحملها لك الحياة، ينتظر أن تمنحه مجالًا ليدفعك على المضيّ قدمًا، وليعزّزك، حتى تنضج. لا يزعجه أن تعبّر عن أسئلتك، لكن ما يقلقه إنما هو أنك لا تتحدّث معه، وأنك لا تنفتح بصدق على الحوار معه. يقول لنا الكتاب المقدّس أن يعقوب صارع الله ( تك 32، 25- 31)، ولم يفصله هذا الأمر عن طريق الربّ. فهو في الواقع، الذي يحثّنا: ”تَعالَوا نَتَناقَش“ (أش 1، 18). إن حبّه حقيقيّ وأصيل وملموس لدرجة أنه يقترح علينا علاقة مليئة بالحوار الصادق والمثمر. أخيرًا، اطلب احتضان والدك السماوي، في الوجه المحبّ لشهوده الشجعان على الأرض!
المسيح يخلّصك
118. الحقيقة الثانية هي أن المسيح، بدافع الحبّ، بذل نفسه حتى النهاية كي يفديك. وذراعاه مفتوحتان على الصليب هما أثمن علامة على أنه صديق قادر على بلوغ أقصى الحدود: ”كانَ قد أَحَبَّ خاصَّتَه الَّذينَ في العالَم، فَبَلَغَ بِه الحُبُّ لَهم إِلى أَقْصى حُدودِه“ (يو 13، 1). قال القدّيس بولس إنه يحيا واضعًا ثقته الكاملة في هذا الحبّ الذي وهب كلّ شيء: ”إِنِّي أَحْياها في الإِيمانِ بِابنِ اللهِ الَّذي أَحبَّني وجادَ بِنَفْسِه مِن أًجْلي“ (غل 2، 20).
119. هذا المسيح الذي خلّصنا على الصليب من خطايانا، ما زال يخلّصنا ويفتدينا اليوم بنفس القوّة الناتجة عن بذل ذاته الكامل. انظر إلى صليبه، وتمسّك به، ودعه يخلّصك، لأن ”الذين ينقادون له يحرّرهم من الخطيئة والحزن والفراغ الداخلي والعزلة“. وإذا أخطأت وابتعدت، يعود هو ليقيمك بقوّة صليبه. ولا تنسَ أبدًا ”أنه يغفر سبعين مرّة سبع مرّات. إنه يعود ويحملنا على كتفيه المرّة تلو المرّة. لا يستطيع أحد أن ينزع منّا الكرامة التي يهبنا إياها ذاك الحبّ اللامتناهي والذي لا يتزعزع. إنه يسمح لنا بأن نرفع رأسنا ونعاود الكرّة، بحنان لا يخيّبنا أبدًا ويستطيع دائمًا أن يعيد إلينا الفرح“.
120. لقد ”خلّصنا يسوع: لأنه يحبّنا ولا يستطيع الاستغناء عنا. يمكننا أن نقوم بأيّ شيء، لكنّه يحبّنا، ويخلّصنا. لأن وحده الذي نحبّه يمكنه أن يخلص. وحده الذي نعانقه يمكن أن يتغيّر. إن حبّ الربّ أكبر من كلّ تناقضاتنا وكلّ هشاشتنا وكلّ صغرنا. ولكن عبر تناقضاتنا بالتحديد وهشاشتنا وصغرنا يريد هو أن يكتب قصّة الحبّ هذه. لقد عانق الابن الضال، واحتضن بطرس بعد أن أنكره، وهو دائمًا يعانقنا، دائمًا، دائمًا، دائمًا، يساعدنا بعد سقوطنا على النهوض والوقوف على أقدامنا. لأن السقوط الحقيقي – انتبهوا لهذا-، السقوط الحقيقي، الذي يستطيع أن يدمّر حياتنا، هو البقاء في وضع السقوط وعدم قبول المساعدة. هناك أغنية رائعة يغنّيها متسلّقو الجبال أثناء تسلّقهم: ” في فنّ التسلّق، لا يكمن الانتصار في عدم السقوط، بل في عدم البقاء في وضع السقوط“.
121. إن غفرانه وخلاصه ليسا شيئًا اشتريناه، أو يجب أن نكتسبه بأعمالنا أو بجهودنا. فهو يغفر لنا ويحرّرنا مجّانًا. فعمل بذل ذاته على الصليب هو عظيم لدرجة أننا لا نستطيع ولا ينبغي لنا أن ندفع ثمنه، علينا فقط أن نقبله بامتنان هائل وبفرح كوننا محبوبين أكثر مما يمكننا تخيّله: ”هو أَحَبَّنا“ (1 يو 4، 19).
122. أيّها الشبيبة المحبوبون من قِبَلِ الربّ، كم أنتم ثمينون لأنكم افتُديتم بدمِ المسيح الثمين! أيّها الشبيبة الأعزاء، ”أنتم لا تُقدَّرون بثمن! لستم سلعة تُباع في المزاد! من فضلكم، لا تسمحوا بأن يشتريكم، أو أن يغويكم، أو أن يستعبدكم الاستعمار الإيديولوجي الذي يملأ عقولنا بأفكار غريبة، فنصبح في النهاية عبيدًا، مدمنين، فاشلين في حياتنا. أنتم لا تُقدَّرون بثمن: عليكم أن تكرّروا دائمًا: لست سلعة، وليست للبيع. أنا حرّ، أنا حرّ! اعشقوا الحرّية، تلك التي يهبها يسوع“.
يتبع