المسيح يحيا
الإرشاد الرسولي للشبيبة المسيحية (17)
132. هل تبحث عن الشغف؟ كما تقول تلك القصيدة الجميلة: اعشق! (أو دع نفسك تعشق)، لأنه ”ما من شيء أهمّ من إيجاد الله. أي أن تعشقه بطريقة نهائية ومطلقة. وما تعشقه يضبط خيالك، ويتوصّل لأن يترك بصماته على كلّ شيء. فيكون هو الذي يقرّر ما الذي يجعلك تقوم من الفراش في الصباح، وماذا تفعل مع غروب الشمس، وكيف تقضي عطلات نهاية الأسبوع، وما تتصفحه، وما تعرفه، وما الذي يكسر قلبك، وما الذي يملؤك بالفرح والامتنان. اعشق! واستمرّ بعشقك! وكلّ شيء سيكون مختلفًا“. حبّك لله هذا الذي يأخذ الحياة بشغف، هو ممكن بفضل الروح القدس، لأَنَّ ”مَحَبَّةَ اللّه أُفيضَت في قُلوبِنا بِالرُّوحَ القُدُسِ الَّذي وُهِبَ لَنا“ (روم 5، 5).
133. إنه نبع للشباب الأفضل. لأن من يثق في الربّ ”يَكونُ كالشَّجَرَةِ المَغْروسَةِ على المِياه تُرسِلُ أُصولَها إِلى مَجْرى النَّهْر“(إر 17، 8). وبينما ”الفِتْيانُ يَتعَبونَ ويُعيَون“ (أش 40، 30)، أولئك الرَّاجونَ لِلرَّبّ ”يَتَجَدَّدونَ قُوَّةً يَرتَفِعونَ بِأَجنِحَةٍ كالعِقْبان، يَعْدونَ ولا يُعْيَون، يَسيرونَ ولا يَتعَبون“ (أش 40، 31).
الفصل الخامس
مسارات الشباب
134. كيف نعيش الشباب عندما نسمح لبشارة الإنجيل العظيمة بأن تنيرنا وتغيّرنا؟ من المهمّ طرح هذا السؤال، لأن الشباب، أكثر من مصدر تفاخر، هو هبة من الله: ”أن تكون شابًّا هو نعمة، هو كنز“. إنها هبة يمكننا أن نبدّدها دون جدوى، أو يمكننا قبولها بامتنان وعيشها بشكل كامل.
135. إن الله هو مانح الشباب وهو يعمل في حياة كلّ شابّ. الشباب هو زمن مبارك للشابّ ونعمة للكنيسة وللعالم. إنه فرح، إنه أغنية رجاء وغبطة. والاستفادة من سنوات الشباب تستلزم رؤية هذه الفترة من الحياة كفترة تستحقّ العناء في حدّ ذاتها، وليس مجرّد مرحلة انتقاليّة يشعر فيها الشبيبة أنهم مدفوعون نحو سنّ البلوغ.
وقت الأحلام والخيارات
136. إن انتهاء مرحلة الطفولة، في زمن يسوع، كان خطوة منتظرة في الحياة، يُحتفل بها، وممتعة للغاية. لذا، عندما أعاد يسوع الحياة إلى ”الصَّبِيَّة“ (مر 5، 39)، جعلها تخطو خطوة إلى الأمام، حوّلها إلى ”فتاة“ (مر 5، 41). وبقوله لها: ”طَليتا قوم!“، جعلها في الوقت عينه أكثر مسؤوليّة عن حياتها، فاتحًا أمامها أبواب الشباب.
137. ”يتميّز الشباب، كمرحلة في تطوّر الشخصية، بأحلامٍ تتجسّد، وبعلاقاتٍ تكتسب دومًا المزيد من الاتّساق والتوازن، وبتجارب واختبارات وخيارات تبني تدريجيًّا مشروع حياة. والشبيبة هم مدعوّون، في هذه المرحلة من الحياة، للمضيّ قدمًا دون الانقطاع عن جذورهم، لبناء استقلاليّتهم، لكن ليس في عزلة“.
138. إن محبّة الله وعلاقتنا بالمسيح الحيّ لا تحرماننا من الحلم؛ ولا تتطلّبان منّا تضييق آفاقنا. بل على العكس، فإن هذه المحبّة تشجّعنا وتحفّزنا وتدفعنا نحو حياة أفضل وأكثر جمالًا. ويمكن تلخيص جزء كبير من التطلّعات التي تسكن قلوب الشبيبة بكلمة ”قلق“. كما قال القدّيس بولس السادس، ”في القلق الذي يعذّبكم بالذات… هناك شعاع من نور“. إن القلق غير المُشبع، والذي يقترن بالدهشة إزاء الجديد الذي يظهر في الأفق، يفتح الطريق للجرأة التي تقودهم إلى تحمّل مسؤوليّة أنفسهم ولأن يصبحوا مسؤولين عن رسالة ما. هذا القلق السليم النموذجي الذي ينشأ خاصّة عند الشبيبة، هو ميزة كلّ قلب يبقى شابًّا ومنفتحًا وسخيًّا. والسلام الداخلي الحقيقي يتعايش مع هذا القلق العميق. كما قال القدّيس أوغسطينوس: “لقد خلقتنا لك يا ربّ، وقلبنا لن يهدأ حتى يجد راحته فيك“.
139. سألني أحد الأصدقاء، منذ فترة، عما أفكّر حين أرى شابًّا. كانت إجابتي أني “أرى شابّة أو شابًّا يبحث عن طريقه، يريد أن يطير على قدميه، ويواجه العالم وينظر إلى الأفق بعيون مليئة بالرجاء، مليئة بالمستقبل وأيضًا بالأوهام. فالشابّ يسير على قدمين مثل البالغين، ولكن على عكس البالغين الذين يُبقون أقدامهم متوازية، هو يضع قدمًا أمام الآخر، جاهزا للانطلاق، للذهاب. يتطلّع دومًا للأمام. فالتكلّم عن الشبيبة يعني التكلّم عن الوعود، وعن الفرح. لدى الشبيبة الكثير من القوّة، وهم قادرون على التطلّع إلى الأمام برجاء. الشابّ هو وعد بالحياة يتضمّن درجة معيّنة من المثابرة. لديه ما يكفي من الجنون ليخدع نفسه، ولديه القدرة الكافية لمعالجة خيبة الأمل التي قد تنجم عن ذلك“.
140. قد يكره بعض الشبيبة هذه المرحلة من الحياة، لأنهم يريدون الاستمرار في الطفولة أو يرغبون في “إطالة سنّ المراهقة إلى أجل غير مسمّى وتأجيل اتّخاذ القرارات. فالخوف من النهائي يولّد بالتالي نوعًا من الشلل في عملية صنع القرار. ومع ذلك، لا يمكن أن يبقى الشباب زمنًا معلّقا: إنه عمر الخيارات وفي هذا بالذات تَكمُن جاذبيّته ومسؤوليّته الكبرى. يتّخذ الشبيبة قرارات في المجالات المهنيّة والاجتماعية والسياسية، وغيرها من الأمور الأكثر جذرية والتي من شأنها إعطاء شكلًا محدّدًا لحياتهم“. كما يتّخذون القرارات بشأن الحبّ واختيار شريك الحياة وإنجاب الأبناء. سوف ننظر في هذه القضايا عن كثب في الفصول النهائية، مع الإشارة إلى دعوة كلّ واحد وإلى تمييزها. يتبع