المسيح يحيا
الإرشاد الرسولي للشبيبة المسيحية (19)
149. وهذا يشمل أيضًا الأوقات الصعبة، التي يجب عيشها بعمق إذا ما أردنا أن نتعلّم الرسالة التي تحملها. على حدّ تعبير الأساقفة السويسريين: ”إن الله موجود حيث ظننا أنه قد تركنا، وأنه لم يعد هناك من رجاء بالخلاص. إنها مفارقة، لكن المعاناة والظلام، بالنسبة للعديد من المسيحيين أصبحا مكان لقاء مع الله“. وكذلك، فإن الرغبة في الحياة وفي عيش اختبارات جديدة تهمّ بشكل خاص العديد من الشبيبة ذوي الإعاقات الجسدية والعقلية والحسّية. وحتى لو لم يكن باستطاعتهم دائمًا أن يعيشوا نفس اختبارات أقرانهم، فإن لديهم موارد مذهلة لا يمكن تصورها وتتجاوز أحيانًا الموارد السائدة. يغمرهم الربّ يسوع بمواهب أخرى، والمجتمع مدعوّ إلى تقديرها، حتى يتمكنوا من اكتشاف تدبير محبّته لكلّ منهم.
في صداقة مع المسيح
150. بغضّ النظر عن مدى عيشك تجربة الشباب، فلن تصل إلى عمقها، ولن تعرف ملء هذه التجربة الحقيقيّ، ما لم تصادف كلّ يوم أعظمَ صديق لك، ما لم تعش في صداقة مع يسوع.
151. الصداقة هي إحدى عطايا الحياة وهبة من الله. فالله ينقّينا ويقودنا إلى النضج من خلال أصدقائنا. والأصدقاء المخلصون، الذين يقفون إلى جانبنا في أوقات الشدّة، هم أيضًا انعكاس لمودّة الربّ، وعزائه، وحضوره اللطيف. تعلّمنا تجربة الصداقة أن نكون منفتحين، ومتفهّمين، وأن نعتني بالآخرين، ونخرج من عزلتنا المريحة ونشارك حياتنا مع الآخرين. لهذا السبب، ”الصَّديقُ الأَمينُ … قيمَتُه لا يُقَدَّرُ لَها ثَمَن“ (سي 6، 15).
152. الصداقة ليست علاقة عابرة أو مؤقّتة، إنما مستقرّة، وطيدة، أمينة، وتنضج مع مرور الوقت. إنها علاقة مودّة تجعلنا نشعر بالوحدة، وهي محبّة سخيّة تجعلنا نبحث عن خير الصديق. قد يكون الأصدقاء مختلفين تمامًا عن بعضهم البعض، لكن لديهم دائمًا أشياء مشتركة تقرّبهم، وهناك ألفة يتبادلونها بصدق وثقة.
153. إن الصداقة مهمّة للغاية، لدرجة أن يسوع يعرّف عن نفسه على أنه صديق: ”لا أَدعوكم خَدَماً بعدَ اليَوم … فَقَد دَعَوتُكم أَحِبَّائي“ (يو 15، 15). رفعنا بفضل نعمته، بطريقة تجعلنا أصدقاء له حقًّا. وبنفس الحبّ الذي أحبّنا به المسيح، يمكننا أن نحبّه، فننقل حبّه للآخرين، على أمل أن يجدوا مكانهم في مجتمع الصداقة الذي أسّسه يسوع المسيح. وحتى في الوقت الذي يتمتع فيه بالنعمة الكاملة لحياة القيامة، يمكننا، من جانبنا، أن نكون أسخياء تجاهه، ونساعده في بناء ملكوته في هذا العالم، ونكون أدوات بين يديه كي ننقل للآخرين رسالته ونوره وبالأخصّ حبّه ( يو 15، 16). سمع التلاميذ يسوع يدعوهم ليكونوا أصدقاءه. كانت دعوة، ولم تُفرَض عليهم، إنما ناشدت بلطف حرّيتهم: ”هَلُمَّا فَانظُرا“ قال لهما يسوع فـ ”ذَهَبا ونظَرا أَينَ يُقيم، فأَقاما عِندَه ذلك اليَوم“ (يو 1، 39). بعد هذا اللقاء، الشخصيّ وغير المتوقّع، تركا كلّ شيء وتبعاه.
154. لا يمكن قطع الصداقة مع يسوع. فهو لا يتركنا أبدًا، رغم أنه يبدو أحيانًا صامتًا. وعندما نحتاج إليه، نلقاه من جديد (إر 29، 14)؛ وبقي إلى جانبنا أينما ذهبنا ( يش 1، 9). لأنه لم يخن عهده أبدًا. ويطلب ببساطة ألّا نتخلّى عنه: ”اُثبُتوا فيَّ” (يو 15، 4). لكن حتى لو ابتعدنا عنه، فيظلّ “هو أَمينًا لأَنَّه لا يُمكِنُ أَن يُنكِرَ نَفْسَه“ (2 طيم 2، 13).
155. نحن نتحدّث مع أصدقائنا، ونتبادل معهم أعمق أسرارنا. يسوع أيضًا، يمكننا دائمًا محادثته. فالصلاة هي تحدّ ومغامرة. ويا لها من مغامرة! تجعلنا نعرف يسوع أكثر فأكثر وتزيد اتّحادنا به؛ وتسمح لنا بمشاركته بكل ما يحدث وأن نستريح بثقة في أحضانه، وتمنحنا في الوقت نفسه، لحظات ثمينة من الألفة والودّ، حيث يسكب فينا يسوع حياته الخاصة. وحين نصلّي، ”نضع كلّ أعمالنا“ أمامه، ونمنحه المجال ”حتى يتصرّف ويدخل وينتصر“.
156. ونتوصّل بهذه الطريقة، إلى اتّحاد ثابت فيه، يتخطّى أيّ شيء يمكن أن نختبره مع شخص آخر: ”ما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ“ (غل 2، 20). لا تحرم شبابك من هذه الصداقة. فسوف تشعر بحضوره إلى جانبك ليس فقط عندما تصلّي. وسوف ترى أنه يسير إلى جانبك في كلّ حين. حاوِل أن تبحث عنه، وستعيش اختبار رفقته الدائمة الرائع. هذا ما عاشه تلميذيّ عمّاوس فيما كانا يسيران ويتحادثان مرتبكين، عندما دنا يسوع منهما ”وأَخذَ يَسيرُ معَهما“ (لو 24، 15). قد قال أحد القدّيسين أن المسيحيّة ” ليست مجموعة من الحقائق التي يجب الإيمان بها، أو قواعد يجب اتّباعها، أو محظورات. تبدو هكذا مثيرة للاشمئزاز. بل المسيحيّة هي الشخص الذي أحبّني كثيرًا لدرجة أنه يطالب بحبّي. المسيحيّة هي المسيح“.
يتبع
قرأنا لكم
الوطن للإنسان كأبيه وأمه
الوطن لفظةٌ حفتها اللّغاتُ البشريّة بالمحبّة والاحترام. وإذا تلفّظ بها الإنسان، شعر على نحوِ ما، بما يشعرُ به لدن يُذكَر على سماعِه إسمُ ابيه وأمِّه. فكأنّ البلاد الّتي وُلدنا فيها، واستنشقت أنافُنا هواءها، واغتذينا من ثمار أرضها، وشربنا من ينابيعها، تمثّلُ لدينا الخليقتين اللّتين سللنا من أحشائهما وأخذنا دَمنا من دمِهما. ولقد أصاب الغربيّون بأن خصّوا لفظة (باتريا) ”patria“ المشتقّة من ”الأب“ للتّعبير عمّا نسمّيه بلغتنا ”الوطن“ فكان حبُّ الإنسان لوطنه حبَّه الطّبيعيّ لوالديه.
من كتاب محبّة الوطن للمكرم البطريرك الياس الحويك