المسيح يحيا
الإرشاد الرسولي للشبيبة المسيحية (20)
157. باستطاعة يسوع أن يوحّد جميع شبيبة الكنيسة في حلم واحد، ”حلم عظيم، وحلم قادر على إشراك الجميع. الحلم الذي من أجله بذل يسوع حياته على الصليب، وحلّ الروح القدس، وطبع بالنار يوم العنصرة في قلب كلّ رجل وكلّ امرأة، في قلب كلّ شخص، لقد طبعه على رجاء أن يجد مجالًا لينمو ويتطوّر. حلم، حلم يُدعى يسوع، زرعه الآب، إله مثله، مثل الآب، مرسل من الآب مع اليقين أنه سوف ينمو ويحيا في كلّ قلب. حلم ملموس، هو شخص، يسير في عروقنا، ويبهج القلب ويجعله يتهلّل“.
النمو والنضج
158. يهتمّ الكثير من الشبيبة بشأن أجسادهم، محاولين تنمية قوّتهم البدنيّة أو مظهرهم. ويجتهد آخرون بتنمية مهاراتهم ومعرفتهم، ويشعرون بهذه الطريقة بثقة أكبر. ويتطلّع بعضهم إلى ما هو أسمى، ويسعون إلى بذل المزيد من الجهد لتحقيق تنمية روحيّة. قال القدّيس يوحنا: ”كَتَبتُ إِلَيكم أَيُّها الشُّبَّان: إِنَّكم أَقوِياء وكَلِمَةُ اللهِ مُقيمَةٌ فيكُم فقَد غَلَبتُمُ الشِّرِّير“ (1 يو 2، 14). إن البحث عن الربّ، وحفظ كلمته، ومحاولة الإجابة عليها من خلال الحياة، والنموّ في الفضائل، يجعل قلوب الشبيبة قويّة. لذا، فمن الضروريّ أن تحافظ على ”اتّصالك“ بيسوع، وأن تبقى معه ”على الخط“، لأنك لن تنمو في السعادة وفي القداسة بقوّتك وعقلك فقط. وكما تقلق تمامًا بشأن عدم فقدان اتّصالك بالإنترنت، تأكّد من أن اتّصالك بالربّ هو فعّال، وهذا يعني عدم مقاطعة الحوار، والاصغاء إليه، وإخباره بكلّ أمورك، وعندما لا تكون لديك فكرة واضحة عمّا يجب عليك فعله، اسأله: ”يسوع، ماذا كنت لتفعل مكاني؟“.
159. أرجو أن تقدّر نفسك للغاية، وأن تأخذ نفسك على محمل الجدّ، وتبحث عن نموّك الروحي. بالإضافة إلى الحماس الذي يميّز الشبيبة، هناك أيضًا جمال طَلَبِ
”البِرّ والإِيمان والمَحبَّة والسَّلام“ (2 طيم 2، 22). هذا لا يعني فقدان العفويّة، والنضارة، والحماس، والحنان. لأن دخولك في سنّ البلوغ لا يعني التخلّي عن أفضل قيم هذه المرحلة من الحياة. وإلّا فقد يوبّخك الربّ يومًا: ”تَذَكَّرتُ لَكِ مَوَدَّةَ صباكَ مَحَبَّةَ خِطبَتِك لَمَّا كُنتَ تَسيرُ وَرائي في البَرِّيَّة“ (إر 2، 2).
160. من ناحية أخرى، يجب أن ينضج البالغون أيضًا دون أن يفقدوا قيم الشباب. لأن كلّ مرحلة من مراحل الحياة في الواقع هي نعمة دائمة، وتحتوي على قيمة يجب ألّا تعبر. والشباب المُعاش بشكل جيّد يبقى كتجربة داخليّة، ويتمّ استيعابه في حياة البالغين وتعميقه، ويستمرّ بإعطاء ثماره. إذا كان من الطبيعيّ أن يشعر الشباب بانجذاب نحو اللانهائي الذي ينفتح ويبدأ، فالخطر في حياة البالغين، التي لها ضماناتها وراحتها، يكمن في إهمال هذا الأفق تدريجيًّا وفقدان تلك القيم التي تميّز سنوات الشباب. ما كان يجب أن يحدث إنما هو العكس: أن ننضج وننمو وننظم حياتنا دون أن نفقد هذه الجاذبية، وذلك الانفتاح الواسع، هذا الانبهار أمام واقعٍ هو في تخطٍّ دائم. يمكننا في كلّ لحظة من حياتنا أن نجدّد شبابَنا وننمّيه. عندما بدأت خدمة حبريّتي، وسّع الربّ آفاقي وجدّد شبابي. ويمكن أن يحدث الشيء نفسه لزواج عمره عدّة سنوات أو لراهب في ديره. هناك أشياء تحتاج إلى ”الاستقرار“ على مرّ السنين، ولكن هذا النضج يمكن أن يتعايش مع نار متجدّدة، ومع قلب دائم الشباب.
161. النموّ يعني الحفاظ على أثمن الأشياء التي منحك إياها الشباب وتغذيتها، ولكنه يعني في الوقت عينه أن تكون منفتحًا على تنقية ما هو غير صالح وعلى نيل هبات جديدة من الله الذي يدعوك لتنمية ما هو مهمّ. قد تقودك عقدة الدونية في بعض الأحيان، إلى عدم الرغبة في رؤية عيوبك وضعفك، ويمكنك بهذه الطريقة أن تنغلق إزاء النمو والنضج. من الأفضل أن تقبل محبّة الله لك، فهو يحبّك كما أنت، ويقدّرك ويحترمك، ولكنه أيضًا يقدّم لك المزيد والمزيد: المزيد من الصداقة معه، المزيد من الاتّقاد في الصلاة، المزيد من التعطش لكلمته، المزيد من الرغبة بقبول المسيح في القربان المقدّس، المزيد من الرغبة في عيش إنجيله، المزيد من القوّة الداخلية، المزيد من السلام والفرح الروحي.
162. لكنني أذكرك بأنك لن تصبح قدّيسًا ولن تحققّ ذاتك عن طريق نَسخِ الآخرين. حتى ان تقليد القدّيسين لا يعني نسخ كيفيّة حياتهم او طريقة عيشهم للقداسة: ”هناك شهادات مفيدة تُحفِّزنا وتحثّنا، ولكن لا لأننا نسعى لتقليدها لأنَّ هذا الأمر قد يبعدنا عن المسيرة الفريدة والمميّزة التي يحفظها الربّ لنا“. عليك أن تعرف من أنت، وأن تطوّر طريقتك الشخصيّة في أن تكون قدّيسًا، بغضّ النظر عمّا يقوله الآخرون أو يفكّرونه. أن تصبح قدّيسًا يعني أن تصبح نفسك بالتمام، أن تصبح ما أراد الله أن يحلمه ويخلقه، وليس نسخة من شخص آخر. يجب أن تكون حياتك حافزًا نبويًا، يلهم الآخرين، يترك بصمة في هذا العالم، تلك البصمة الفريدة التي وحدك يمكنك أن تتركها. ولكن، إذا نسخت الآخرين، فسوف تحرم هذه الأرض، وحتى السماء، ممّا لا يمكن لأحد غيرك أن يقدّمه. أذكر أن القدّيس يوحنا الصليب، في كتابه ”نشيد روحي“، كتب أنه على الجميع الاستفادة من نصيحته الروحية، كلّ ”بطريقته الخاصة“، لأن الله نفسه أراد أن يُظهر نعمته "للبعض بطريقة ما، وللآخرين بطريقة أخرى". يتبع
قرأنا لكم
يريد الله منّا أن نحبّ وطننا الأرضيّ منتظرين الوصول إلى الوطن السّماوي.
كلّنا نعلم، أيّها ألابناء الأعزّاء، أنّ الله وحدَه متفرّدٌ بالثّبات، باقِ على تصرّم اللّيالي والأيام، يقضي على أعمارِ خلقِهِ عندما يشاء وكيفما يشاء، وأنْ ليس لنا ههنا وطنٌ أو مدينةٌ ثابتة، وإنّما نرجو العتيدة. غير أنّ الله الّذي أتى بنا أمْرُهُ إلى هذه الدنيا، يريدُ منّا أنْ نحبّ وطنَنا هذا منتظرينَ الوصول بعد هذه الحياة إلى الوطن السّعيد الثّابت. وفي هذا المقام، قد تذكّرنا آيةَ الرّسول القائل ” إنّ حياتي هي المسيح وإن متُّ فذلك ربحٌ
لي. وإن يكن ليَ في حياةِ الجسد هذه، ثمارٌ من أعمالي إلاَّ أنّي لا ادري ايّما أختار. فإنّ الأمرَين يضايقاني، إنّي أهوى أن أنحلّ لأكون مع المسيح، وهذا أصلحُ ليَ بكثير، إلاَّ أنّ البقاء في الجسد يضطرُّني إليه أمرُكم“.
من كتاب محبّة الوطن للمكرّم البطريرك الياس الحويك