المسيح يحيا
الإرشاد الرسولي للشبيبة المسيحية (21)
مسارات الأخوة
163. إن نموّك الروحيّ يظهر قبل كلّ شيء في المحبّة الأخويّة، والسخيّة، والرحيمة. اعتاد القدّيس بولس أن يقول: ”عَسى أَن يَزيدَ الرَّبُّ ويُنمِيَ مَحَبَّةَ بَعضِكم لِبَعْضٍ ولِجَميعِ النَّاسِ على مِثالِ مَحَبَّتِنا لَكم“(1 تس 3، 12). عساك أن تعيش أكثر فأكثر ”النشوة“ التي هي خروج من ذاتك للبحث عن خير الآخرين، إلى حدّ بذل حياتك.
164. عندما تُسمّى المواجهة مع الله ”نشوة“، فهذا لأنّه يخرجنا من ذواتنا ويرفعنا، مأخوذين بحبّ الله وجماله، لكن يمكننا أن نخرج من ذواتنا أيضًا للاعتراف بالجمال الخفيّ الموجود في كلّ كائن بشريّ، وبكرامته، وبعظمته كصورة لله وابن للآب. يريد الروح القدس أن يدفعنا إلى الخروج من ذواتنا، وإلى احتضان الآخرين بالمحبّة والسعي لما فيه خيرهم. ولذا فإنه من الأفضل دائمًا أن نعيش الإيمان معًا، ونعبِّر عن حبّنا في حياة جماعيّة، ونشارك الشبيبة الآخرين بحبّنا ووقتنا وإيماننا واهتماماتنا. وتقدّم الكنيسة العديد من المساحات المختلفة لعيش الإيمان جماعيًّا، لأن كلّ شيء يكون أسهل معًا.
165. إن الجروح التي تلقّيتها تقودك إلى خطر العزلة، والانطواء على ذاتك، وتراكم الأحقاد، ولكن لا تتوقّف أبدًا عن قبول دعوة الله إلى المغفرة. كما علّم أساقفة رواندا جيدًا، ”المصالحة مع الآخر تتطلّب أولاً اكتشاف روعة صورة الله فيه وفي هذا المنظور، من الضروري التمييز بين الخاطئ وبين خطيئته وإساءته، حتى تتوصّل إلى مصالحة حقيقية. هذا يعني أن تكره الشرّ الذي ألحقه بك الآخر، ولكن أن تستمرّ بحبّه لأنك تدرك ضعفه وترى صورة الله فيه“.
166. قد تتلاشى في بعض الأحيان كلّ طاقات فترة الشباب وأحلامها وحماسهابسبب الميل إلى الانغلاق على أنفسنا، في مشاكلنا، وفي مشاعر الأذى، والتذمّر والراحة. لا تسمح بأن يحدث هذا لك، لأنك سوف تشيخ في داخلك مبكرًا. كلّ عمر له جماله، ولا يمكن أن يفوت الشباب اليوتوبيا الجماعية، والقدرة على الحلم معًا، والآفاق العظيمة التي ننظر إليها معًا.
167. يحبّ الله فرح الشبيبة ويدعوهم قبل كلّ شيء إلى ذلك الفرح الذي يُعاش في شركة الأخوّة، إلى الفرح الأسمى الذي يسكن أولئك الذين يعرفون المشاركة، لأن ”السَّعادَةُ في العَطاءِ أَعظَمُ مِنها في الأَخْذ“ (رسل 20، 35) و ”اللهَ يُحِبُّ مَن أَعْطى مُتَهَلِّلاً“ (2 قور 9، 7). إن الحبّ الأخويّ يضاعف قدرتنا على الابتهاج، لأنه يمكّننا من الابتهاج لخير الآخرين: ”افرَحوا مع الفَرِحين“ (روم 12، 15). عسى أن تتحوّل عفويّة شبابك واندفاعه أكثر فأكثر إلى عفويّة المحبّة الأخوية، وإلى النضارة التي تجعلنا نتفاعل دائمًا بالتسامح والسخاء والرغبة في عيش الجماعة. يقول المثل الإفريقي: ”إذا كنت تريد أن تسرع، امشِ وحدك. إذا كنت تريد أن تذهب بعيدًا، امشِ مع الآخرين“. لا نسمحنّ بأن تُسلب منّا الأخوّة.
شبيبة ملتزمون
168. صحيح أنه في بعض الأحيان، إزاء عالم مليء بالعنف والأنانيّة، قد يميل الشبيبة إلى الانغلاق في جماعات صغيرة، وأن يحرموا أنفسهم بالتالي من تحدّيات الحياة في المجتمع، ومن عالم واسع، مُحفِّز، ومحتاج. يشعرون أنهم يعيشون المحبّة الأخويّة، ولكن ربمّا قد أصبحت جماعتهم مجرّد امتداد لذواتهم. ويتفاقم هذا الأمر إذا تمّ اعتبار دعوة العلمانيين كمجرّد خدمة داخل الكنيسة (القرّاء، خدمة المذبح، معلّمو الدين المسيحي، …)، متناسين أن دعوة العلمانيين هي أوّلا وقبل كلّ شيء المحبة في الأسرة، والأعمال الاجتماعية والسياسية التي تحفّزها المحبّة: فهي التزام ملموس انطلاقًا من الإيمان لبناء مجتمع جديد، إنها العيش وسط العالم والمجتمع من أجل تبشير مختلف أوضاعه، من أجل تنمية السلام، والتعايش، والعدالة، وحقوق الإنسان، والرحمة، وبالتالي نشر ملكوت الله في العالم.
169. أقترح على الشبيبة أن يتخطّوا مجموعات الأصدقاء كي يبنوا ”الصداقة الاجتماعية، ويسعوا لتحقيق الصالح العام. لأن العداء الاجتماعي يدمّر. والأسرة تتحطّم بفعل العداوة. والبلد يتدمّر بفعل العداوة. والعالم يتدمّر بفعل العداوة. والعداوة الأكبر هي الحرب. ونرى في هذه الأيام كيف أن العالم يتدمّر بفعل الحرب. لأنهم غير قادرين على الجلوس والتحدّث. كونوا قادرين على خلق الصداقة الاجتماعية“. الأمر ليس سهلًا، علينا دوما أن نتخلّى عن شيء ما، ويجب أن نتفاوض، ولكن إذا فعلنا ذلك ونحن نفكّر في خير الجميع، فسوف نحقّق تجربة رائعة، تجربة تنحية الخلافات جانبًا من أجل تحقيق هدف مشترك. وإذا تمكّنا من العثور على نقاط تلاقٍ في خضّم العديد من الاختلافات، في هذا الجهد الحرفي والمتعب أحيانًا لبناء الجسور، لبناء سلام مفيد للجميع، تكون هذه معجزة ثقافة اللقاء التي يملك الشبيبة الشجاعة الكافية لعيشها بشغف.
يتبع