المسيح يحيا
الإرشاد الرسولي للشبيبة المسيحية (27)
211. يجب أن نعطي الأولوية في هذا البحث إلى لغة التقارب، وهي لغة الحبّ المجّاني، العلائقي والوجودي الذي يلمس القلب، ويبلغ الحياة، ويوقظ الرجاء والأماني. من الضروري أن نتقرّب من الشبيبة بلغة الحبّ، وليس بالتبشير. اللغة التي يفهمها الشبيبة هي لغة الذين يبذلون حياتهم، والذين هم هناك بسببهم ومن أجلهم، والذين يحاولون، بالرغم من محدوديتهم ومن ضعفهم، أن يعيشوا إيمانهم بتماسك. لكن علينا في الوقت نفسه، أن نبحث بحساسية أكبر كيف نجسّد البشارة في اللغة التي يتحدّث بها شبيبة اليوم.
212. فيما يتعلّق بالنمو، أريد أن أعطي تحذيرًا مهمًا. يحدث في بعض الأماكن أن، بعد أن يعيش الشبيبة اختبارًا عميقًا مع الله، ولقاء مع يسوع قد لمس قلوبهم، يُعرَض عليهم اجتماعات ”تنشئة“ حيث يعالجون فيها الأسئلة العقائدية والأخلاقية وحسب: حول شرور العالم الحالي، والكنيسة، والعقيدة الاجتماعية، والعفّة، والزواج، وتحديد النسل وقضايا أخرى. والنتيجة هي أن العديد من الشبيبة يشعرون بالملل، ويفقدون حماس اللقاء بالمسيح وفرح اتّباعه، ويترك الكثيرون المسيرة ويصبح آخرون حزينين وسلبيين. لنهدّئ من هاجس نقل مجموعة المحتويات العقائدية، ولنحاول قبل كلّ شيء، خلق الاختبارات العظيمة التي تعضد الحياة المسيحية وتجذّرها. كما قال رومانو غوارديني: ”في اختبار حبّ عظيم كلّ ما يحدث يصبح حدثًا في مجاله“.
213. إن أيّ مشروع تنشئة، أيّ مسيرة نموّ للشبيبة، يجب أن تشتمل على تنشئة عقائدية وأخلاقية. ومن المهمّ أيضًا أن تركّز على محورين رئيسيين: الأوّل هو تعميق البشارة، الاختبار التأسيسي القائم على اللقاء مع الله من خلال المسيح المائت والقائم من الموت. والآخر هو النموّ في المحبّة الأخوية، وفي الحياة المجتمعية، وفي الخدمة.
214. لقد أصررت كثيراً على ذلك في فرح الإنجيل وأعتقد أنه من المناسب التذكير به. فمن ناحية، من الخطأ الاعتقاد أنه يجب التخلّي عن البشارة، في رعوية الشبيبة ”سعياً وراء تنشئة من المفترض أن تكون ”أكثر صلابة“. فليس هناك من أمر أكثر صلابة وعمقًا وأمانًا وكثافةً وحكمةً من هذه البشارة. إن كلّ التنشئة المسيحية هي أوّلًا وقبل كلّ شيء تعميق للبشارة التي تتجسّد أكثر فأكثر وبشكل أفضل“. وبالتالي، يجب أن تشمل رعوية الشبيبة دائمًا لحظات تساعد على تجديد الاختبار الشخصيّ لمحبّة الله وللمسيح يسوع الحيّ، وتعميقه. وسوف تقوم به عبر مصادر مختلفة: شهادات، أغاني، أوقات عبادة، فسحات للتأمّل الروحي مع الكتب المقدّسة، وحتى مع محفزات مختلفة من خلال الشبكات الاجتماعية. لكن لا يجب استبدال هذا الاختبار الفَرِح، اختبار اللقاء بالربّ، بنوع من ”التلقين العقائدي“.
215. من ناحية أخرى، يجب أن تتضمّن أيّ خطة رعوية للشبيبة وسائلَ ومواردَ متنوّعة لمساعدة الشبيبة على النموّ في الأخوّة، وعلى العيش كإخوة، ومساعدة بعضهم البعض، وخلق جماعة، وخدمة الآخرين، والتقرّب من الفقراء. إذا كانت المحبّة الأخوية هي ”الوصية الجديدة“ (يو 13، 34)، إذا كانت ”كَمالُ الشَّريعة“ (روم 13، 10) إذا كان هذا هو أفضل ما يظهر حبّنا لله، فعليها أن تحتلّ مكانًا مناسبًا في جميع خطط تنشئة الشبيبة ونموّهم.
بيئات مناسبة
216.إننا نحتاج، في جميع مؤسّساتنا، إلى زيادة تطوير وتعزيز قدرتنا على الاستقبال الودّي، لأن العديد من الشبيبة الذين يصلون هم في حالة عميقة من اليُتم. ولا أشير هنا إلى صراعات عائلية معينة، ولكن إلى تجربة تطال، على حدّ السواء، الأطفال والشبيبة والكبار والأمّهات والآباء والأبناء. وعلى الجماعات، مثل الرعية والمدرسة، أن تقدّم للعديد من الأيتام معاصرينا -ربما أنفسنا؟- مسارات محبّة مجّانية، وتعزيز، وتثبيت ونموّ. يشعر الكثير من الشبيبة اليوم بأنهم أبناء الفشل، لأن أحلام آبائهم وأجدادهم احترقت في محارق الظلم، والعنف الاجتماعي، والـ ”ليخلّص كلّ نفسَه“. كم من فقدان للجذور! إذا نشأ الشبيبة في عالم من الرماد، فليس من السهل عليهم أن يحافظوا على حماس الأوهام والمشاريع العظيمة. إذا نشأوا في صحراء خالية من المعنى، كيف يمكنهم التضحية بأنفسهم كي يزرعوا؟ إن تجربة التوقّف، واقتلاع الجذور، وسقوط اليقين الأساسي، التي تعززها الثقافة الإعلامية الحالية، تثير هذا الشعور العميق باليتم الذي يجب أن نواجهه عبر خلق فسحات أخوية وجذّابة يعيش فيها المرء بإحساس.
217. إن بناء ”بيت“ هو باختصار ”بناء عائلة؛ هو أن نتعلّم كيف نشعر باتّحاد مع الآخرين أبعد من الروابط النفعية أو الوظيفية، وأن نتّحد بطريقة تجعلنا نشعر بأن الحياة هي أكثر إنسانية. إن بناء بيت، يعني أن نسمح للنبوّة بأن تتجسّد وأن تجعل ساعاتنا وأيامنا أكثر ضيافة وبعيدة عن اللامبالاة والمجهوليّة. إنه نسج روابطٍ تُبنى عبر لفتات بسيطة، يوميّة، يمكننا جميعًا القيام بها. فالبيت، وكلّنا نعرفه جيدًا، يحتاج إلى تعاون الجميع. ولا يمكن لأحد أن يكون غير مبال أو غريب، لأن كلّ واحد هو حجر ضروريّ في بنائه. وهذا يعني أن نطلب من الربّ أن يمنحنا النعمة كي نتعلّم كيف نتحلّى بالصبر، وكيف نغفر لبعضنا؛ نتعلّم كيف نبدأ من جديد كلّ يوم. وكم من مرّة يجب أن نغفر أو نبدأ من جديد؟ سبعين مرّة سبع مرّات، كلّما لزم الأمر. فإنشاء روابط قويّة يتطلّب الثقة التي يغذّيها الصبر والمغفرة يوميًّا. وهكذا تحدث معجزة الاختبار أن هنا يولد المرء من جديد، هنا نولد جميعًا من جديد لأننا نشعر بعناق الله الفعّال الذي يسمح لنا بأن نحلم بعالم أكثر إنسانية، وبالتالي، أكثر ألوهية“.
يتبع