المسيح يحيا الإرشاد الرسولي للشبيبة المسيحية (28) 218. في هذا السياق، يجب أن نقدّم للشبيبة في مؤسّساتنا أماكن مناسبة، يمكنهم التصرّف بها كما يحلو لهم، وحيث يمكنهم الدخول والخروج بحرّية؛ أماكن تستضيفهم، وحيث يمكنهم الذهاب تلقائيًا وبثقة كي يلتقوا بشبيبة آخرين في الصعوبات كما وعند الملل، أو عندما يرغبون في الاحتفال بأفراحهم. وقد حقّق شيئًا من هذا بعض المعاهد وبعض مراكز الشبيبة الأخرى، والتي تشكّل، في كثير من الحالات، الأجواء التي يعيش فيها الشبيبة خبرات الصداقة، أو الحبّ، وحيث يمكنهم أن يلتقوا وأن يتشاركوا بالموسيقى، والترفيه، والرياضة، وكذلك التأمّل والصلاة، مع بعض العون والمشاريع المختلفة. وتجد بهذه الطريقة سبيلها البشارةُ من شخص لآخر، والتي لا غنى عنها، ولا يمكن الاستعاضة عنها بأيّ مصدر أو استراتيجية رعوية. 219. ”إن الصداقة والعلاقات، التي غالبًا ما تكون أيضًا في مجموعات نظامية إلى حدّ ما، تقدّم الفرصة لتعزيز الكفاءات الاجتماعية والعلائقية في سياق لا يتمّ فيه تقييم الشخص أو إدانته. ويشكّل الاختبار الجماعي بدوره مورداً للمشاركة بالإيمان ولمساعدةٍ متبادلة على الشهادة. فباستطاعة الشبيبة أن يوجّهوا الشبيبة الآخرين وأن يعيشوا رسالة حقيقية وسط أصدقائهم“. 220. هذا لا يعني أنهم معزولون ويفقدون أيّ اتّصال مع جماعات الرعايا والحركات والمؤسّسات الكنسية الأخرى. لكنهم يندمجون بشكل أفضل في مجتمعات منفتحة، حيّة في الإيمان، حريصة على إشعاع نور يسوع المسيح، فرحة، حرّة، أخوية وملتزمة. وباستطاعة هذه الجماعات أن تكون القنوات التي يشعرون فيها أنهم يستطيعون تنمية علاقات قيّمة. رعوية المؤسّسات التعليمية 221. لا شكّ أن المدرسة تشكّل منصّة للتواصل مع الأطفال والشبيبة. إنها مكان متميّز لتعزيز الشخص، ولذا لطالما أولى المجتمع المسيحي اهتمامًا كبيرًا بها، سواء عبر تنشئة المعلّمين والمدراء، أم من خلال إنشاء مدارسه الخاصة، من كلّ نوع ومستوى. وفي هذا المجال، قد خلق الروح القدس عددًا لا يحصى من المواهب ومن شهادات للقداسة. لكنها تحتاج إلى نقد ذاتي عاجل، إذا ما رأينا النتائج التي خلّفها العمل الرعوي في الكثير منها؛ هو عمل رعوي يركّز على التعليم الديني الذي غالبًا ما أظهر عدم قدرته على خلق اختبارات إيمان تدوم. بالإضافة إلى ذلك، هناك بعض المدارس الكاثوليكية التي يبدو أنها منظّمة لتحافظ على الموجود وحسب. فالخوف من التغيير يجعلهم غير قادرين على تحمل عدم اليقين وتدفعهم إلى الانغلاق إزاء المخاطر التي يحملها كلّ تغيير، أكانت حقيقية أم تخيّلية. والمدرسة التي تحوّلت إلى ”مخبأ“ يحمي من الأخطاء ”الخارجية“، هي تعبير كاريكاتوري عن هذا الميل. وتعكس هذه الصورة، بطريقة محزنة، ما يختبره الكثير من الشبيبة عند تخرّجهم من بعض المؤسّسات التعليمية: هناك تباين، من الصعب تخطّيه، بين ما تعلّموه والعالم الذي يعيشون فيه. حتى أن التوجيهات الدينيّة والأخلاقيّة التي تلقّوها لم تعدّهم لمواجهة عالم يسخر منهم، ولم يتعلّموا طرقًا للصلاة ولعيش الإيمان يمكنهم المحافظة عليها بسهولة وسط إيقاع هذا المجتمع. من أكبر أفراح المعلّم، في الواقع، هو عندما يرى طالبًا يبني نفسه كشخص قويّ ومتكامل، ويلعب دورًا مهمًّا ومعطاء. 222.لا تزال المدرسة الكاثوليكية ضرورية كمكان لتبشير الشبيبة. ومن المهمّ مراعاة بعض المعايير الملهمة المشار إليها في الفرح الحقيقي من أجل تجديد المدارس والجامعات التي هي ”في انطلاق“ وإرسالية، وإعادة إطلاقها، مثل: خبرة البشارة، والحوار على جميع المستويات، والتداخل بين التخصّصات المقررة، وما بعد التخصصات المقررة، وتعزيز ثقافة اللقاء، والحاجة الملحّة إلى ”بناء شبكة“ وخيار الأخيرين، أولئك الذين يستبعدهم المجتمع ويتجاهلهم. كما والقدرة على دمج معرفة الرأس، والقلب، واليدين. 223. من ناحية أخرى، لا يمكننا فصل التنشئة الروحية عن التنشئة الثقافية. فطالما ما أرادت الكنيسة تطوير مساحات للشبيبة لثقافة أفضل. ولا يجب أن تتخلّى عن هذا، لأن للشبيبة الحقّ في ذلك. ”إن الحقّ في الثقافة، لا سيّما اليوم، وقبل كلّ شيء، يعني حماية الحكمة، أي المعرفة الإنسانية والمؤنسِنَة. فغالبًا ما قد كيفّتنا نماذج حياة تافهة وزائلة، تدفعنا إلى مواصلة النجاح بتكلفة منخفضة، مستبعدة التضحيات، وغارسة فكرة أن الدراسة ليست ضرورية إذا لم تقدّم على الفور شيئًا ملموسًا. كلا، الدراسة تساعدنا على طرح الأسئلة، وعلى عدم السماح للأمور التافهة بتخديرنا، وعلى إيجاد معنى الحياة. يجب المطالبة بالحقّ في ألّا تسود ”عرائس البحر“ الكثيرة التي تصرفنا اليوم عن هذا البحث. إن عوليس، كي لا يستسلم لأغنية عرائس البحر، التي أغرت البحارة وجعلتهم يتحطّمون على الصخور، ربط نفسه بشجرة السفينة وغطّى آذان رفاقه. أما أورفيوس، وكي يتصدّى لأغنية عرائس البحر، قام بشيء آخر: غنّى لحنًا أجمل فأطرب عرائس البحر. هذه هي مهمّتكم العظيمة: مواجهة الألحان المُشِلّة التي يطلقها الاستهلاك الثقافي عبر خيارات ديناميكية وقوية، والبحث والمعرفة والمشاركة. يتبع قرأنا لكم 4. أيْ نَعَم يهمّنا أمرُكم أيّها الابناء الأعزّاء، طالما نحن في هذا الجسد. يهمّنا تربيةُ إيمانكم وتذكير الحاضر والمهاجر منكم بوجوبِ محبّة الوطن المجبولة أرضُهُ بأعراق أجدادنا ودمائهم، محافظةً على إيمانهم ووطنيّتهم. ومذ استخلَفَنا الله في الكرسيّ البطريركيّ كما استخلف من سبقَنا من سلفائنا البطاركة، قد آلينا على نفسِنا القيامَ، بعونِه تعالى، بما استودعناه من الأمانة في سبيل خدمةِ الكنيسة وخدمة الوطن. ونعمةٌ من فضله قضت بأن أيَّدَنا، تمجّد اسمُهُ، بهدايته وإرشاده، وأحاطَنا بلطفِه وعنايتِه، فلم نُغمض جفناً على مصابِ الوطن، بل توخّينا في كلِّ ما قدَّرنا الله عملَه ما عاد بأمنه ونجاحه واستقلاله وإعلاء محلِّه ورفع أذى من يُعاديه، بعد أن قاسى ما قاساه من المِحَن والنّكبات المؤلمة. وفي صلواتِنا كلَّ يوم، نضرع إلى الله أنْ يرفَع عن هذه البلاد الضرّبات والنّكبات، ويرمقَها بعين عنايتِه ويمنَّ عليها بالخيرات ليمجّدَه الجميع في هذه الدّنيا وفي الآخرة. من كتاب محبّة الوطن للمكرّم البطريرك الياس الحويك