الصَّوم جسرٌ بين الدِّنح والفصح
رسالة الصوم العاشرة لصاحب الغبطة والنيافة البطريرك بشارة الراعي
لاهوت الصَّوم الكبير
1. زمن الصَّوم الكبير يتوسَّط زمنَي الدنح والفصح: إنَّه يُواصِلُ لاهوت زمن الدنح وروحانيَّته، ويُهيئ زمن الفصح الجديد ومفاعيله. دِنحُ المسيح يُذكِّرنا بمعموديَّتنا من الماء والرُّوح. ماء النعمة غسَلَ خطيئتَنا، والرُّوح القدس أعطانا الحياة الجديدة. فبحسب رموز المعموديَّة، النُّزول في الماء موتٌ عن الخطيئة مع المسيح الذي مات لفدائنا، والخروج من الماء قيامةٌ مع المسيح الذي بقيامته أقامَنَا لحياةٍ جديدةٍ. وهكذا سِّرُ موت يسوع وقيامته هو "حجر الزاوية" للحياة المسيحيَّة الشَّخصيَّة والجماعيَّة" ( رسالة البابا فرنسيس لصوم 2020). بهذا المعنى كتَبَ بولس الرَّسول إلى أهل كولوسي: "لقد دُفِنتم مع المسيح في المعموديَّة، وفيها أيضًا أُقِمتم معه"(كول 12:2). يسوع نفسه بعد معموديَّته، صام أربعين يومًا وأربعين ليلةً، قضاها في التَّأمُّل والصَّلاة، وجاهَدَ بوجه تجارب الشَّيطان الثَّلاث وانتصَرَ عليها (متى 4 : 1 - 11 ). ثمَّ باشَرَ رسالة إعلان ملكوت الله بالكلمات والآيات، حتَّى بلغ ذروتها بآلامه وموته من أجل خطايانا، وبقيامته لتبريرنا (روم 25:4). لقد أضحت حياتنا موسومةً بمسار موتٍ عن عتيقنا، وقيامةٍ لحياةٍ جديدةٍ من الرُّوح القدس
.
2. كان زمن الصَّوم فترةً تعليميَّةً على الأخص للموعوظين تحضيراً لهم لقبول سرّ المعموديَّة في ليلة عيد الفصح. أمَّا اليوم فيبقى زمن الصَّوم زمنًا تعليميًّا لكلام الله وتعليم الكنيسة من أجل التَّجدُّد في الإيمان وتجسيده في الأعمال، والعبور بالتَّوبة مع الفصح إلى حياةٍ جديدةٍ بالمسيح القائم من الموت. فيكون سرُّ التَّوبة بمثابة معموديَّةٍ جديدةٍ يموت فيها المؤمن عن خطاياه، ويُصبح شريكًا في الحياة الجديدة بالمسيح القائم من الموت، ويَقبَل روح الله الذي أقام يسوع (روم 11:8). وبما أنَّ زمن الصَّوم الكبير هو زمن الاغتذاء من كلام الله، فيما نصومُ عن الطَّعام، فإنَّه، لهذه الغاية، زمن الرِّياضات الرُّوحيَّة في الرَّعايا. فنطلب من إخواننا السَّادة المطارنة ومن أبنائنا كهنة الرَّعايا تنظيم أسابيع الرِّياضات، بحيث يَشمَل الأسبوع مواعظ، ورتب توبة وإعترافات، ومصالحات، وزيارة المرضى. فلا تكفي عظة يوم الجمعة، مع زيَّاح الصَّليب، كما هي الممارسة في بعض الرَّعايا .
3. إنَّ التَّأمُّل بكلام الله والاستنارة به هما الطَّريق الأفضل والأسلم لتهيئة مشاركتنا في سرِّ المسيح الفصحي، سرِّ موته وقيامته، من أجل ولادةٍ جديدة. ولهذا يُسمَّى الصَّوم "الزَّمن المقبول" و ”زمن النعمة“.
مرتكزات الصَّوم الكبير
4. يقوم زمن الصِّيام الكبير على ثلاثة مرتكزات هي علامات توبتنا وارتدادنا: الصِّيام والصَّلاة والصَّدقة.
أ. الصِّيام
هو الامتناع عن الطَّعام وعن السَّوائل ما عدا الماء، من نصف اللَّيل حتَّى الظُّهر.
هو إفقارُ مائدتنا كوسيلةٍ للإنتصار على الأنانيَّة، والعيشُ بمنطق العطاء والحُب. فعندما نحرِمُ نفسنا من شيءٍ، غير ممَّا هو فائض، نتعلَّم كيف نبحث عن آخر، هو الله الذي
نراه إلى جانبنا فيوجه العديد من إخوتنا في حاجاتهم. وهكذا تُصبح ممارسة الصَّوم حُبًّا لله كوصيَّةٍ أولى، وحُبًّا للقريب كوصيَّةٍ ثانيةٍ (مر 12 : 30 - 31 )
ب. الصَّلاة
تُولَدُ صلاتُنا أساسًا من كلمة الله التي تُقدمها لنا الكنيسة بشكلٍ فائضٍ في زمن الصَّوم.
فإذا قبلناها في قلبنا، وتأمَّلنا بها، وجسَّدناها بأفعالٍ في حياتنا اليوميَّة، تُصبِح صلاتَنا الفاعلة. فالصَّلاة بطبيعتها هي جوابُنا على كلام الله، الذي يُغذي فينا الإيمان. الصَّلاة بهذه الصِّفة تُدخلنا في مفهومٍ جديدٍ للزَّمن، بحيث هو انفتاحٌ على الأبديَّة وسموُّ فوق المحسوس، لا مجرَّد وقتٍ منتظم بحد ذاته، من دون أُفقٍ ومستقبل. بل حين نُصلِّي نقتطع وقتًا لله لكي نَدخُل في شركةٍ عميقةٍ معه ملؤها الرَّجاء والفرح اللَّذين لا ينتزعهما أحدٌ من قلوبنا (يو 22:16 ).
ج. الصَّدَقة
هي إشراكُ الغير في حاجته ممَّا نملُك، أكان كثيراً أم قليلاً. لكنَّ الواجب يقع بنوعٍ خاص على الذين يملكون الكثير. فإذا أشرَكوا غيرهم بخيراتهم ينتصرون على تجربة الجشع في التَّملُّك، ومحبَّة المال التي تُناقض أولويَّة الله في حياتنا. هذه الآفات تولِّد العنف وإهمال الواجب. إنَّ عبادة أموال الدُّنيا تفصِلُنا عن الله وعن النَّاس، وتغشُّنا بسعادةٍ هي من سراب. بالتَّصدُّق نفهم جودة قلب الله الأبوي، ونشهد له؛ وفي الوقت عينه، نُفرِّغ قلبنا من ذاتنا لنمتلئ من الله ومن محبَّته ورحمته.
الصَّدَقة هي فعلُ المحبَّة الذي نقوم به تجاه من هو أو هم في حاجةٍ ماديَّةٍ أو معنويَّةٍ، روحيَّةٍ أو إجتماعيَّةٍ. معهم يتماهى الرَّبُّ يسوع، إذ قال: "كنتُ جائعًا فأطعمتموني، عطشانًا فسقيتموني، غريبًا فآويتموني، عريانًا فكسوتموني، مريضًا فزرتموني، ومحبوسًا فأتيتم إليَّ"(متى 25 : 35 - 36 ). ويُسميهم "إخوته الصِّغار" (متى 40:25 ) . يتبع