الرسالة العامة التاسعة للبطريرك مار بشارة بطرس الراعي "الميثاق التربوي الوطني الشامل: شرعة الأجيال اللبنانية الجديدة"

المقدِّمة
1. ”ميثاقٌ تربويٌّ وطنيٌّ شامل" هو موضوع رسالتي الرَّاعويَّة العامَّة هذه، في مناسبة الذِّكرى السَّنويَّة التَّاسعة لخدمتي البطريركيَّة، وقد بدأتُها في الخامس والعشرين من شهر آذار 2011، عيد بشارة الملاك لمريم العذراء، باختيار آباء سينودس كنيستنا المقدَّس وبإلهام الرُّوح القدس.
2. إنَّ لفظة ميثاق تحتوي على بُعدَين: روحيّ واجتماعيّ. الروحيّ هو العهد الذي قطَعَه الله مع شعبه، ليكون في شركةٍ خلاصيَّةٍ معه: "أكون لكم إلهًا، وأنتم تكونون لي شعبًا" (لاويِّين 12:26). والاجتماعيّ هو اتِّفاقٌ بين أشخاصٍ يلتزمون بقضيَّةٍ مشترَكةٍ، مثل الميثاق الوطنيّ الذي أرادَهُ اللُّبنانيُّون سنة 1943 خلاصة تاريخٍ مشترك من تجربة العيش المسيحيّ- الإسلاميّ، وتكريسًا لثوابت ثلاث: الحرِّيَّة، والمساواة في المشاركة، وحفظ التَّعدُّديَّة... وأرادوه كقاعدةٍ لتأسيس دولةٍ تُحقِّق أماني اللُّبنانيِّين جميعًا، وتُبعِدُهم عن المَحاور والصِّراعات؛ وكأساسٍ لبناء علاقات هذه الدَّولة مع الخارج، المدعوّ إلى الاعتراف بخصوصيَّة لبنان" (المذكِّرة الوطنيَّة، صفحة 9 و10).
يتناول هذا الميثاق خمسة: مقتضى "الميثاق" وأهدافه، ظروفه، رؤيته، رسالته، جهازه التَّنفيذيّ.
الفصل الأوَّل
مقتضى الميثاق وأهدافه
3. بمناسبة المئويَّة الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير، وحفاظًا على كيانه وخصوصيَّته ورسالته وعلى شعلة الرَّجاء بالتَّغيير وتعميق الانتماء الوطنيّ الجامع التي أضاءتْها منذ 17 تشرين الأوَّل 2019، الثَّورة الإيجابيَّة، الحضاريَّة، التي جمعَتْ أجيالنا اللُّبنانيَّة الطَّالعة من كلّ المناطق والطَّوائف والمذاهب والانتماءات؛ ومن وحي ميثاقنا الوطنيّ لعام 1943؛ واستلهامًا من "الميثاق التَّربويّ الشَّامل" الذي أعلنَه قداسة البابا فرنسيس، في 12 أيلول 2019؛ واستنادًا إلى مختلف الوثائق والرَّسائل التي أعلنتُها منذ تولِّيَّ السُّدَّة البطريركيَّة؛ رأيتُ بعد التَّشاور مع إخواننا السَّادة المطارنة والرُّؤساء العامِّين والرَّئيسات العامَّات، إنشاء "ميثاق تربويّ وطنيّ شامل"، يكون في عهدة البطريركيَّة المارونيَّة التي تنسِّقه وتسهر عليه مع الأبرشيَّات والرَّهبانيَّات ومختلف المؤسَّسات. وذلك من أجل المحافظة على هويَّة لبنان الحضاريَّة وتعزيزها، ما يؤول إلى تلبية مطالب الشَّعب اللُّبنانيِّ خاصَّةً، وإلى تفعيل إيجابيَّات الثَّورة، وحماية جوهرها وأهدافها من التَّيَّارات السَّلبيَّة عامَّةً. ويجدر التَّذكير بأنَّ لفظة "ثورة" تعني "ثورة على الذَّات" في مفهومها الرُّوحيِّ، لكي تتمكَّن من أن تكون ثورةً اجتماعيَّةً بنَّاءة.
4. يهدف هذا "الميثاق" إلى دعوة شبابنا اللُّبنانيّ إلى الالتزام ببناء وطنٍ أفضل، هو لبنان، بيتنا المشترك، الذي يُسمِيه الدُّستور "وطنًا نهائيًّا لجميع أبنائه". وهو دولة مدنيّة تفصل بين الدين والدولة، استنادًا إلى إعلان المكرّم البطريرك الياس الحويك في مؤتمر السلام بفرساي سنة 1919: "يوجد في لبنان طائفةٌ واحدةٌ إسمها لبنان، أمَّا الطَّوائف الموجودة على أرضه فتؤلِّف نسيجه الاجتماعيَّ".
5. يتّصف "الميثاق" بأنه تربويّ يقدِّم فهمًا جديدًا للإنماء الثَّقافيّ والاقتصاديّ وللعمل السِّياسيّ، من أجل حفظ كرامة الشَّخص البشريِّ، وخلق قياداتٍ جديدةٍ يَرتَكِز سلوكها على أساسٍ أخلاقيٍّ إنسانيٍّ سليم؛ وبأنّه وطنيٌّ شاملٌ عابرٌ للأديان والطَّوائف والأحزاب، ومنفتحٌ على جميع الشُّبَّان والشَّابَّات، الرِّجال والنِّساء في لبنان وبلدان الانتشار، بحيث يصبحون بنَّائين للخير العامِّ والسَّلام، مميَّزين بشجاعةٍ مثلَّثة: شجاعة إستثمار الأفضل من طاقاتهم بروحٍ خلاَّقٍ ومسؤول، وشجاعة الجهوزيَّة لخدمة مَن هم في حاجةٍ أو عوز، وشجاعة الدِّفاع عن العدالة بوجه الظُّلم.
6. يرتكز هذا "الميثاق" على ثلاثة مبادئ: الأوّل، احترام التَّنوُّع، على أن يكون تكامليًّا لا متناقضًا، بحيث لا يُستغنى عن مساهمة أيِّ شخصٍ في بناء الوطن، بحكم المواطنة التي تُساوِي في الحقوق والواجبات، والعمل السِّياسيّ كمشاركةٍ في خدمة الخير العامّ. الثاني، الأُخوَّة الأصليَّة المُعطاة لنا من الله مع الحياة التي ليست منَّا، ولا من صُنعِنا. فبالنِّسبة إلى المؤمنين، كما أشارتْ وثيقة أبو ظبي عن الأُخوَّة الإنسانيَّة، الجميع أبناء أبٍ واحدٍ، وبالتَّالي إخوةٌ مدعوُّون إلى التَّضامن والرَّحمة والسَّخاء والحماية (هي الوثيقة التي وقَّعها البابا فرنسيس وإمام الأزهر الشَّيخ أحمد الطَّيِّب في أبو ظبي بتاريخ 4 شباط 2019). الثالث، أنَّنا خُلقنا ليس فقط لنعيش "مع الآخرين"، بل أيضًا لنعيش "في خدمة الآخرين"، في تبادلٍ مُفيدٍ ومُغنٍ. إنَّ أيَّ سلطةٍ في أيِّ نظامٍ تَستمِدُّ وجودها من شرعيَّتها لكنَّها تَستمِدُّ ديمومتها من نجاحها مع شعبها وبشعبها. والشَّعب اللُّبنانيُّ اليوم يَتُوق إلى حُكمٍ ناجحٍ ودولةٍ ناجحةٍ، فعلينا ألاَّ نخيِّب آماله. يتبع