الرسالة العامة التاسعة للبطريرك مار بشارة بطرس الراعي "الميثاق التربوي الوطني الشامل: شرعة الأجيال اللبنانية الجديدة" (2)

الفصل الثاني
الظُّروف
7 إنَّ الثَّورة التي أطلَقَها بدايةً عددٌ من المواطنين ولاسيَّما شبَّان لبنان وشابَّاته بعفويَّةٍ تامَّة، موحَّدين تحت راية لبنان في المطالب الوطنيَّة المحقَّة، على المستويات السِّياسيَّة والاقتصاديَّة والماليَّة والمعيشيَّة والإنمائيَّة، تقتضي مسيرةً متواصلة، كيلا تَنطفِئ شعلتُها، ولا يَخمُد التزامُها، ولا يُخامِرُها يأسٌ أو قنوط، فتبقى مستنيرةً بالمبادئ الوطنيَّة والأخلاقيَّة والرُّوحيَّة في مسيرتها نحو أهدافها الموضوعيَّة والواعدة. والكنيسة تدعمها في هذا المسعى البنَّاء.
8فيجب أوّلاً محاربة عبادة الأنا، التي هي أساس الفساد السِّياسيِّ والماليِّ، لأنَّ على مذبحها يُضحَّى بالقيم الأخلاقيَّة والمشاعر الإنسانيَّة، وبمخافة الله، وبالشُّعور بالخجل. وثانيًا العمل على أنسنة الانترنت ووسائل التَّواصل الاجتماعيّ على أساس ما تقدّمه من إمكانيّات لنشر المعلومات وتبادلها، بعيدًا عن خطابات الكراهية وتضليل الرأي العامّ بالأخبار الكاذبة. وثالثًا رفض "ثقافة النُّفاية"، كما يُسمِّيها قداسة البابا فرنسيس، التي يقع ضحيَّتها المسنُّون والفقراء والأطفال عامَّةً وذوو الاحتياجات الخاصَّة، بسبب النّظر إليهم من منطلق قدرتهم الاستهلاكيَّة والانتاجيَّة. ورابعًا، الرّبط بين الإنسان والطَّبيعة. فالبيئة البشريَّة والبيئة الطَّبيعيَّة تترابطان وتتفاعلان. ترتفعان معًا وتنحطَّان معًا. وكما أنَّ نقص الاعتناء بداخليَّة الإنسان يَظهر في نقص الاعتناء بخارجه، هكذا هي حال التَّفاعل بين الإنسان وبيئته الاجتماعيَّة والطَّبيعيَّة.
ليست الطَّبيعة مجرَّد إطارٍ لحياتنا، وكيانٍ منفصل عنَّا، بل نحن جزءٌ منها، ومن صميمها. ولا توجد علاقةٌ جديدةٌ مع الطَّبيعة من دون كائنٍ بشريٍّ متجدّدٍ في إنسانيّته (راجع كُن مسبَّحًا، 118).
الفصل الثَّالث : الرُّؤية
9تتَّضح الرُّؤية التي توجِّه "ميثاقنا التَّربويّ الوطنيّ الشَّامل" بثلاثة مبادئ:
المبدأ الأوَّل، حفظ الوحدة في التَّنوُّع. وهو عنصرٌ من العناصر التي تُميِّز لبنان عن سواه، ويُساهم في بناء أنسنةٍ جديدة. من شأن هذا "الميثاق" أن يُربِّي على الفكر الجديد القادر على بناء الوحدة في التَّنوُّع، وقبول الآخر المختلف كما هو، والمساواة والحرِّيَّة والهويَّة الشَّخصيَّة والجماعيَّة.
المبدأ الثَّاني، تطوير نوعيَّة العلاقة المميَّزة بين الأشخاص. إنَّ لفظة "شخص" تعني بحدِّ ذاتها علاقة. في مجتمعنا طاقاتٌ عظيمة لدى الأفراد. ولكنَّها تحتاج إلى علاقةٍ فيما بينها، والخروج من الفرديَّة، مع احترام الطَّاقات والمواهب الشَّخصيَّة على أنواعها.
المبدأ الثَّالث، إمكانيَّة تغيير المجتمع. هذا المبدأ هو ميزة الشَّباب. فإذا فقدوه، حَرمُوا أنفسهم من الرَّجاء والطَّاقة الضَّروريَّة لتخطِّي الضُّعف واليأس والقنوط. فالواقع الذي يتألّم منه شبابنا كان واضحًا في مطالب المتظاهرين والثُّوَّار الرَّافضين للظُّلم والفساد والقهر وإهمال المسؤولين السِّياسيِّين لواجباتهم. يريد "الميثاق" حماية صوتهم وتطلُّعاتهم وآمالهم وارتباطهم بأرض الوطن. إنّهم أصحاب رؤية وكفاءة، لتحمّل مسؤوليَّة الوطن. فيجب أن يشاركوا في شؤون الأمَّة، وفي صنع مستقبلهم. فإنَّهم يُعطون خدمة الشَّأن العامّ نكهةً جديدة. فالنَّبيُّ آشعيا يُسمِّيهم "حرَّاس الفجر" (أش12:21).
الفصل الرَّابع: الرِّسالة
10 يبغي "الميثاق" المحافظة على شبابنا اللُّبنانيّ وأجيالنا الطَّالعة على أرض الوطن. فيعمل على تطبيق السِّياسة الاجتماعيَّة التي رسمَ خطوطها المجمع البطريركيُّ المارونيُّ بالتَّعاون مع المؤسَّسات الكنسيَّة وسواها، سعيًا إلى تأمين العمل الانتاجيّ في الزِّراعة بكلِّ قطاعاتها، والصِّناعة الخفيفة، والتَّصنيع، واكتساب المهارات. هذا النَّشاط الانتاجيُّ ينسِّقه المركز المارونيُّ للتَّوثيق والأبحاث مع لجانٍ ومؤسَّسات ومدرِّبين.
11 من أجل هذه الغاية أسَّسنا مركزَين: الأوَّل في دير مار سركيس البطريركيّ بريفون، يُدعى "مركز التَّنمية البشريَّة والتَّمكين". وقد بدأ نشاطاته في شهر حزيران 2019. تشمل برامجه: تعزيز قدرات الشَّبيبة والعائلات والمجتمعات المحلِّيَّة لضمان تنميتهم الرُّوحيَّة وإشعاعهم المجتمعيّ والثَّقافيّ والاقتصاديّ؛ تحسين نوعيَّة حياة الأفراد والمجتمعات؛ إجراء تدريبات تتكيَّف مع احتياجات المجتمعات المحلِّيَّة من شبيبة وأزواج وعائلات ومحترفين.
والثَّاني في دير الزيارة، عينطوره كسروان، يُدعى "معهد فيلوكاليا" أي "حُبّ الجمال"، جمال الله الأسمى الذي منه حبّ جمال الفنّ الخلاَّق. وسيبدأ نشاطاته في خريف 2020 إن شاء الله. يَضمُّ قسم الموسيقى (آلاتيّ وصوتيّ وجوقات)، وقسم فنّ الطَّبخ – Art culinaire ، وقسم الفنّ الحرفيّ – Artisanat، وقسم ثقافيّ: تعليم الدِّين واللُّغات والموادّ الثَّقافيَّة الأخرى.
ولا بدَّ من التَّذكير بما تُقدِّم الكنيسة من خدماتٍ وفرص عمل في مؤسَّساتها الاجتماعيَّة من مدارس وجامعات ومستشفيات ودور لذوي الحاجات الخاصَّة، ومن إمكانيَّات استثمار أراضيها زراعيًّا وصناعيًّا وسياحيًّا وسكنيًّا وإنمائيًّا.
يتبع