البرارة ركيزة العلاقة مع الله
نصل هذا الاحد الى المحطة الاخيرة والحاسمة في مسيرة تحضيرنا للميلاد. حركة الملائكة لا تهدأ فالرب يريد أن يُدخل إبنه الى العالم في عائلة تحضنه وتحميه. وللعائلة كيان بشري فهي تتألف من أب وأم وأولاد.
لم يُرِد الرب أن يخرج على المألوف، ولا أن يُنزل إبنه على الارض بطريقة سحرية عجائبية. أراد أن يعطي للعائلة البعد الحقيقي لوجودها، فهي ليست من يُنجب الأولاد فقط ولا يقتصر دورها على تأمين الملجأ والملبس والمأكل والمدرسة وحسب. أراد الرب بدخوله اليوم على يوسف أن يفهمنا جيداً أن للعائلة دورها الأساسي وهو الصلاح والانفتاح على كلمة الله. دورها عيش الاقتناع بقدسية حضور الله في مسيرة حياتها, الذي منه تستمد كل قوة وتحصل على كل نعمة. لقد شرح القديس متى هذا الدور حين قال عن يوسف أنه كان "رجلا بارا" (متى1: 19). والبرارة ركيزة أساسية في العلاقة مع الناس من جهة ومع الله من جهة أخرى, وهي أهم الفضائل البشرية التي يتزيّن بها الإنسان. إنها مجموعة خصال تدمج بين المبادئ الإنسانية الدنيوية وبين القيم الروحية السماوية. يتنشَّأ عليها الإنسان فتصبح سيرة حياة ذاتية ونهجاً يجعل الإنسان قريباً من أخيه الإنسان؛ ومتحداً بإرادة الله، لا يساوم عليها ولا يقامر بها.
ولنا من القديس يوسف المثل والمثال: إنه يحب مريم وهي خطيبته، يحضّر نفسه ليجيء بها الى بيته، يحلم بمستقبل جميل معها, يعرف جيداً طهرها وقداستها. ولما عرف أنها حامل لم يفقِدْ أعصابه ولا ضرب عرض الحائط بكل ما خَبِرَهُ فيها من خصال حميدة بل حافظ على رباطة جأشه وانسحب صامتاً متأمِّلاً ودخل في تفكير عميق وجدّي، وكأني به يسأل الله: " ألهِمني يا رب سواء السبيل وحسن التصرف". أنه يدخل في مسيرة تأمل بإرادة الله, لم يتَّهمْ ولم يَثُر كسائر البشر،ْ ولم يَقِم الدنيا ويقعدها، ولم يحمل لسانه ويدور يلطم رأسه ويعلن خيبته ويشتم و... و... و...
بل انصرف الى التفتيش عن سر إرادة الله من خلال هذه الحقيقة التي، إذا ما تركنا العنان لتفكيرنا فيها، هي مرَّة وقاسية وتجعل أطهر الطاهرات وأقدس البتولات ملوَّثة
بالخطيئة, أما إذا تركنا للرب مسافة للتدخل في حياتنا، كما فعل يوسف، فإنه يكشف لنا الحقيقة ويساعدنا على إتخاذ القرار من دون تسرُّع أو إجحاف أو تشهير.
غيَّر الملاك إرادة يوسف فهو في حين أراد أن "يطلِّقها سراً“ (متى19:1). يتدخّل الملاك ليقول له: "لا تخف يا يوسف أن تأخذ مريم امرأتك" (متى20:1). والأهم في كل ذلك أن يوسف عرف بمن يضع رجاءه وثقته، إرتفع من مستوى القيل والقال وتخطّى الشريعة الجامدة ليدخل في سر عمق الله، فيكتنِهَهُ ويسبُر غوره. فالله وحده يستطيع أن يلغي الحيرة فتظهر الحقيقة التي تعطي كل ذي حق حقه، وتحفظ كرامة البشر. لذلك استطاع يوسف أن يختار إرادة الرب ويفعل كما أمره ملاكه(متى1: 24).
أما نحن فبمن نضع رجاءنا؟ وكم من المرات نختار ما يريده الناس لنا، أو ما يمليه علينا المجتمع؟ وننسى أن للرب رأيه في حياتنا وعلينا أن نعود إليه ونستشيره ونسأله، فهو الرجاء الحقيقي الذي لا يخيّب .
يوسف رجل الصمت ورجل البرارة وبذلك إستحق أن يكون مربّياً لابن الله. والسؤال يبقى أين نحن من صمت يوسف؟ وهل نستطيع أن نصغي الى إرادة الله؟.
الخوري بيار صعب
زوّادة
شاب كان يريد أن يصبح كاهناً. مانع أبوه ممانعة كلية. تزوج، وبعد أن أنجب أربعة أولاد ثلاثة صبيان وبنت... مات...
من هؤلاء الصبيان الثلاثة، اثنان دخلا سلك الكهنوت، أي أصبحا مسيحاً آخر لمن يلتقي بهما، عاشا مثال الطهر والتقوى والعطاء، وسمات الفرح والتواضع والوداعة والسلام على محياهم، ترجما الإنجيل بحياتهم اليومية العملية دون تكلف. عاشا المجيء مع مريم العذراء، سيدة الحبل بلا دنس، بكل فرح، مما جعل الناس يتمثلون بهم ويشتاقون للصلاة وللقاء بهم. والبنت ترهبت أي أصبحت راهبة مثالية, رمز التقوى لمن تتعامل معه ورمز الإنسانية المتجسدة في الراهبة الملاك، رمز العطاء اللامحدود، يشتم منها، كل من يلتقي بها رائحة القداسة. كان الله يعرف ماذا يريد... مشيئته لا مشيئتنا نحن البشر الضعفاء...
ليس المهم أن يصنع المرء مشيئته الشخصية حتى ولو باعتناق الحياة الرهبانية أو الكهنوتية المهم أن يصنع مشيئة الله حتى لو كانت مؤلمة، فإنها مشيئة آب محب وليس إلا المحب من يتقبل مشيئة مؤلمة. لذا فلنقل دائما مع مريم المنتظرة الطاهرة البريئة. "لتكن مشيئتك يا رب لا مشيئتي".
status of the week
I never claimed to be perfect, but God never said I had to be!