”لا عبيد بعد الآن بل إخوة“
رسالة البابا فرنسيس في يوم السلام العالمي الـ 48 (2)
لا نصبح مسيحيين، أبناء للآب وإخوة في المسيح، بمجرّد تدبير إلهيّ ذي سلطة، بدون ممارسة الحرية الشخصيّة أي بدون الارتداد الحر للمسيح. لأن البنوّة لله تتبع واجب الارتداد: "توبوا، وَليَعتَمِد كُلٌّ مِنكُم بِاسمِ يسوعَ المَسيح، لِغُفْرانِ خَطاياكم، فتَنالوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ القُدُس“ (أع 2، 38). وجميع الذين أجابوا بالإيمان والحياة على بشارة بطرس هذه دخلوا في أخوّة الجماعة المسيحية الأولى (را. 1 بط 2، 17؛ أع 1، 15. 16؛ 6، 3؛ 15، 23): يهود ويونانيّون، عبيد ورجال أحرار (را. 1 كور 12، 13؛ غلا 3، 28،) والاختلاف في المنشأ والحالة الاجتماعية لا ينقّص من كرامة كل فرد منهم ولا يستثني أحدًا من الانتماء لشعب الله. فالجماعة المسيحية هي إذًا مكان الشركة التي تُعاش بالمحبّة بين الإخوة (را. رو 12، 10؛ 1 تس 4، 9؛ عب 13، 1؛ 1 بط 1، 22؛ 2 بط 1، 7.)
هذا كلّه يُظهر كيف أن بشرى يسوع المسيح السارة التي من خلالها يجعل الله "كلّ شيءٍ جديدًا" (رؤ 21، 5)، قادرة أيضًا على افتداء العلاقات بين البشر، بما فيها علاقة العبد بسيده، مسلطة الضوء على ما يجمعهما: بنوة التبني ورابط الأخوة بالمسيح. فيسوع نفسه يقول لتلاميذه: "لا أَدعوكم خَدَماً بعدَ اليَوم لِأَنَّ الخادِمَ لا يَعلَمُ ما يَعمَلُ سَيِّدُه. فَقَد دَعَوتُكم أَحِبَّائي لأَنِّي أَطلَعتُكم على كُلِّ ما سَمِعتُه مِن أَبي" (يو 15، 15).
الأوجه المتعددة للعبودية بالأمس واليوم
3 منذ زمن بعيد جدًا تعرف مختلف المجتمعات البشرية ظاهرة عبودية الإنسان من قبل الإنسان. وقد شهد تاريخ البشرية فترات كان فيها وضع العبودية مقبولا بصورة عامة ومنظَّما من قبل القانون. وكان هذا الإطار يحدّد من يولد حرا ومن يولد عبدا بالإضافة إلى الشروط التي يفقد بموجبها الشخص المولود حرا حريته أو يكتسبها مجدّدًا. وبمعنى آخر، كان القانون نفسه يقرّ بأن بعض الأشخاص يمكن أو يجب اعتبارهم ملكا لشخص آخر يمكن أن يتصرف بهم بحرية؛ يمكن أن يُشترى العبد ويُباع، يُتنازل عنه ويُكتسب وكأنه سلعة ما.
اليوم وبعد تطور إيجابي لضمير البشرية، باتت العبودية، الجريمة التي تؤذي الإنسانية، ملغاة رسميا في العالم. إن حق كل شخص في ألا يكون خاضعا للعبودية أو الاسترقاق تم الإقرار به من قبل القانون الدولي كإجراء ملزم.
مع ذلك، وعلى الرغم من تبنّي الجماعة الدولية العديد من الاتفاقات الهادفة إلى وضع حد للعبودية بجميع أشكالها وإطلاقها إستراتيجيات عدة لمكافحة هذه الظاهرة، ما يزال اليوم ملايين الأشخاص، من أطفال ورجال ونساء على اختلاف أعمارهم، يُحرمون من الحرية ويُرغمون على العيش في ظروف مشابهة للعبودية.
أفكر بالعديد من العمال والعاملات، بمن فيهم القصّر، المستعبَدون في مختلف القطاعات، على المستويين الرسمي وغير الرسمي، من العمل المنزلي إلى العمل الزراعي، من العمل الصناعي اليدوي إلى العمل في المناجم، وهذا يحصل في بلدان لا تتماشى فيها تشريعات العمل مع الإجراءات وأدنى المعايير الدولية، ويتمّ بصورة غير شرعية في بلدان تحمي تشريعاتها العامل.
أفكّر أيضًا بالظروف المعيشية للعديد من اللاجئين، الذين يعانون من الجوع خلال سفرهم المأساوي، ويُحرمون من حريتهم ويُجرّدون من ممتلكاتهم ويتعرّضون لانتهاكات جسدية وجنسية. أفكر بالذين يُعتقلون في ظروف تفتقر غالبا إلى المعايير الإنسانية بعد وصولهم إلى وجهتهم على أثر رحلة شاقة جدا ومحفوفة بالخوف وانعدام الأمن. أفكر بالذين تدفعهم الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتنوعة إلى الإقامة بصورة غير شرعية، وبِمَن يقبلون بالعيش والعمل في ظروف غير لائقة، بغية البقاء في ظل الشرعية، خصوصًا عندما تخلق التشريعات الوطنية أو تسمح بتبعية بنيوية تربط العامل المهاجر بصاحب العمل، مثلا، من خلال ربط شرعية الإقامة بعقد عمل... نعم، أفكر بـ"عمل العبودية".
أفكر بـالأشخاص المرغمين على ممارسة الدعارة، وبينهم قصّر كثيرون وبـعبيد وعبيدات الجنس؛ بالنساء المرغمات على الزواج، وأولئك اللواتي يُبَعن بهدف الزواج أو اللواتي يُزوَّجن إلى أحد الأقرباء بعد موت أزواجهن، دون أن يحق لهن الإعراب عن موافقتهن أو رفضهن.
لا يسعني ألا أفكر بالعديد من القصّر والبالغين الذين يذهبون ضحية الاتجار بالبشر من أجل استخراج الأعضاء، من أجل تجنيدهم، من أجل التسوّل، ومن أجل نشاطات غير مشروعة مثل إنتاج أو بيع المخدرات أو أشكال مقنّعة من عمليات التبنّي الدولية.
أفكر أخيرًا بكل من يُخطفون ويُحتجزون على يد مجموعات إرهابية تستعبدهم كمقاتلين لتحقيق غاياتها أو، فيما يتعلق بالفتيات والنساء، كعبدات الجنس. وتُفقد آثار العديد من هؤلاء، وبعضهم يُباعون أكثر من مرة، ويُعذبون، وتُشوَّه أجسادهم، أو يُقتلون. (يتبع)
status of the week
Stop focusing on how stressed you are and remember how blessed you are.