• Home
  • رسائل الأحد
  • التوصيات
  • أخبار الرعية
  • مكتبة الصوَر
  • للأتصال

رسالة الاحد العدد 1054

  • Print
  • Email

 

”لا عبيد بعد الآن بل إخوة“

رسالة البابا فرنسيس في يوم السلام العالمي الـ 48 (3)

 

بعض الأسباب العميقة للعبودية

4- اليوم كما بالأمس يوجد في جذور العبودية مفهوم للشخص البشري يقبل بإمكانية معاملته كغرض ما. عندما تُفسد الخطيئة قلب الإنسان وتُبعده عن خالقه وعن أقرناه، فلا يُنظر إلى هؤلاء ككائنات تتمتّع بكرامة متساوية، كأخوة وأخوات في البشرية، بل يُنظر إليهم كأغراض. ويُحرم الشخص البشري، المخلوق على صورة الله ومثاله، من حريته بواسطة الخداع والإكراه الجسدي أو النفسي، ويتحوّل إلى سلعة ويُختزل إلى ملكية شخص ما، ويُعامَل كأداة لا كغاية.

تساهم إلى جانب هذا العامل الوجودي - نكران إنسانية الآخر - عوامل أخرى في تفسير الأشكال المعاصرة للعبودية. من بين هذه العوامل أفكّر قبل كل شيء بالفقر والتقهقر والإقصاء، خصوصًا عندما تضاف هذه العوامل إلى الحرمان من التربية، أو إلى واقع مطبوع بقلة أو انعدام فرص العمل. غالبا ما يكون ضحايا الاتجار بالبشر والاستعباد أشخاصًا حاولوا البحث عن وسيلة للخروج من أوضاع الفقر المدقع، وصدّقوا أحيانا كثيرة وعودًا زائفة بفرص العمل فسقطوا بشرك الشبكات الإجرامية التي تدير عمليات الاتجار بالكائنات البشرية. هذه الشبكات تستخدم ببراعة التكنولوجيات المعلوماتية الحديثة بغية استدراج أشخاص شبان وآخرين يافعين جدا في أنحاء العالم كافة.

ولابد من اعتبار فساد الأشخاص المستعدّين لكل شيء من أجل الاغتناء من بين الأسباب الكامنة وراء العبودية. إن الاتجار بالكائنات البشرية واستعبادها يتطلبان في الواقع تواطؤا يمرّ غالبا عبر فساد الوسطاء، وبعض عناصر القوى الأمنية أو لاعبين حكوميين آخرين أو مؤسسات مختلفة، مدنية وعسكرية. "هذا ما يحصل عندما يوضع في مركز النظام الاقتصادي الإله المال، لا الإنسان، الشخص البشري. نعم، لا بد أن يوضع في مركز أي نظام اجتماعي أو اقتصادي الشخص، صورة الله، المخلوق كي يكون سيد الكون. عندما يُزاح الشخص ليحل مكانه الإله المال يحصل هذا الإرباك في القيم".

وثمة مسببات أخرى للعبودية هي الصراعات المسلحة والعنف والإجرام والإرهاب. أشخاص كثيرون يُخطفون ليُباعوا، أو ليُجندوا كمقاتلين، أو ليُستغلّوا جنسيا، بينما يُجبر آخرون على الهجرة تاركين كل ممتلكاتهم: الأرض، المنزل، الأملاك، وحتى الأقارب. ويسعى هؤلاء الأشخاص إلى البحث عن بديل لهذه الظروف الرهيبة حتى عندما تُهدّد كرامتهم وحياتهم، وهكذا يواجهون خطر الدخول في حلقة مفرغة تجعلهم فريسة البؤس والفساد وتبعاتهما المدمرة.

التزام مشترك للتغلب على العبودية

5- عندما نراقب ظاهرة الاتجار بالأشخاص، والتهريب غير المشروع للمهاجرين وأشكالا أخرى للعبودية، أكانت معروفة أو غير معروفة، يتكوّن انطباع في غالب الأحيان بأن هذا يحدث إزاء اللامبالاة العامة.

وإذا كان هذا الأمر، وللأسف، صحيحًا إلى حد بعيد، أودّ التذكير بالعمل الكبير والصامت الذي تقوم به جمعيات رهبانية كثيرة، لا سيما النسائية منها، لصالح الضحايا منذ سنوات طويلة. إن هذه الجمعيات تعمل في ظروف صعبة، يطغى عليها العنف أحيانا، وتحاول أن تكسر السلال غير المرئية التي تُبقي الضحايا بيد المتاجرين بهم ومستغِلِّيهم؛ سلاسل صُنعت حلقاتها من آليات سيكولوجية غير ملحوظة تجعل الضحايا يعتمدون على سجّانيهم من خلال الابتزاز والتهديد الموجهَين إليهم أو إلى أحبائهم، وأيضا بواسطة وسائل مادية كمصادرة الأوراق الثبوتية والعنف الجسدي. إن عمل الجمعيات الرهبانية يتمحور أساسًا حول نشاطات ثلاثة: نجدة الضحايا، إعادة تأهيلهم من الناحية السيكولوجية والتكوينية، وإعادة دمجهم في مجتمع المقصد أو المنشأ.

إن هذا العمل الشاسع الذي يتطلّب شجاعة، وأناة ومواظبة، يستحق التقدير من قبل كل الكنيسة والمجتمع، ولكنه لا يكفي وحده بالطبع لوضع حد لآفة استغلال الشخص البشري، فهناك حاجة أيضا لالتزام ثلاثي على الصعيد المؤسساتي للوقاية، وحماية الضحايا والملاحقة القضائية للمسؤولين عنها. إلى ذلك، وكما أن المنظمات الإجرامية تستخدم شبكات عالمية لبلوغ أهدافها، فإن العمل للقضاء على هذه الظاهرة يتطلّب جهدا مشتركا وعالميا أيضا من قبل مختلف الجهات الفاعلة التي تؤلف المجتمع.

ينبغي على الدول أن تسهر كي تكون تشريعاتها الوطنية الخاصة حول الهجرات والعمل والتبني ونقل نشاط الشركات والمتاجرة بمنتجات مصنوعة بواسطة استغلال العمل، تحترم حقًا كرامة الإنسان. هناك حاجة لقوانين عادلة ترتكز على الشخص البشري، وتدافع عن حقوقه الأساسية وتُعيدها إليه إذا انتُهكت، من خلال إعادة تأهيل من هو ضحية وضمان سلامته، إضافة لآليات فعّالة للرقابة على التطبيق الصحيح لهذه القوانين، ولعدم ترك فسحة للفساد والإفلات من العقاب. هنالك حاجة كذلك لأن يتمّ الاعتراف بدور المرأة في المجتمع، من خلال العمل أيضا على الصعيد الثقافي والإعلامي للحصول على النتائج المرجوّة.

إن المنظمات الحكومية الدولية، وبموجب مبدأ التكافل، هي مدعوة للقيام بمبادرات متناسقة لمحاربة الشبكات عبر الوطنية للجريمة المنظَّمة التي تدير الاتجار بالكائنات البشرية والاتجار غير المشروع بالمهاجرين. هناك حاجة لتعاون على مختلف المستويات، يضمّ المؤسسات الوطنية والدولية ومنظمات المجتمع المدني وعالم الأعمال.

في الواقع، من واجب الشركات أن تضمن لموظفيها شروط عمل لائقة وأجورًا ملائمة، وأن تسهر أيضا كي لا تقع أشكال استعباد أو اتجار بالكائنات البشرية ضمن سلسلة التوزيع. وتترافق المسؤولية الاجتماعية للشركة مع المسؤولية الاجتماعية للمستهلك. في الواقع، ينبغي على كل شخص أن يعي بأن "الشراء هو دائما فِعل أخلاقي، فضلاً عن كونه اقتصاديًا".

(يتبع)

 

Copyright © Designed by Shukrallah Assaf 2026 All rights reserved. Custom Design by Youjoomla.com
YJSimpleGrid Joomla! Templates Framework official website
رسائل الأحد