” ثبّتوا قلوبكم“ (يع 5: 8)
رسالة قداسة البابا فرنسيس لصوم 2015
2 - ”أين هو أخوك؟“ (تك 4: 9) – الرعايا والجماعات
ما قيل بالنسبة إلى الكنيسة الجامعة يجب ترجمته في حياة الرعايا والجماعات. هل يمكن النجاح في هذا الواقع الكنسيّ في أن نختبر أن نكون جزءا من جسد واحد؟ جسد يقتبل ويتقاسم ما يريد الله أن يعطي؟ جسد يعرف ويهتمّ بأعضائه الأكثر ضعفا، والأكثر فقرا والأصغر؟ أم أنّنا نلجأ إلى محبّة عالميّة تلتزم بعيدا في العالم، لكنّها تنسى لعازر الجالس أمام بابنا المغلق؟ (راجع لو 16: 19-31)
لكي نقتبل ونستثمر بشكل كامل ما يعطينا الله، يجب تجاوز حدود الكنيسة المرئيّة بإتجاهين: أولا، باتحادنا بكنيسة السماء بالصلاة. عندما تصلّي كنيسة الأرض، تنشأ شراكة خدمة متبادلة وخير يصل إلى حضور الله. مع القدّيسين الّذين وجدوا ملأهم في الله، نشكّل جزءا من هذه الشراكة الّتي فيها تُغلب اللاّمبالاة بالمحبّة. كنيسة السماء ليست منتصرة لأنها أدارت ظهرها لآلام العالم وتنعم منفردة. لكن بالأحرى، القديسون يمكنهم منذ الآن أن يتأمّلوا ويبتهجوا بأنّه، مع موت المسيح وقيامته، قد غلبوا بشكل نهائي اللاّمبالاة، وقساوة القلب والكراهيّة. وإلى أن يتغلغل إنتصار المحبّة هذا في كلّ العالم، ما زال القديسون يسيرون معنا نحن الحجاج. القديسة تريزيا دي ليزيو، معلّمة الكنيسة، كتبت مقتنعة بأن الفرح في السماء بانتصار الحبّ المصلوب ما زال غير مكتمل ما دام هناك إنسان واحد على الأرض يتألّم ويئنّ: "اتطلّع كثيرا أن لا أبقى عاطلة عن العمل في السماء، رغبتي أن أعمل أيضا لأجل الكنيسة ولأجل النفوس"(الرسالة 254, 14تموز 1897).
نحن أيضا نتشارك في استحقاقات وفي فرح القدّيسين، وهم يشاركوننا صراعنا ورغبتنا في السلام والمصالحة. فرحهم بانتصار المسيح القائم من القبر هو دافع قوّة لنا كي نتخطّى أشكالا كثيرة من اللاّمبلاة وقساوة القلب.
من ناحية ثانية، كلّ جماعة مسيحيّة هي مدعوّة لأن تعبر العتبة الّتي تضعها في علاقة مع المجتمع الّذي يحيط بها، مع الفقراء والبعيدين. الكنيسة رسوليّة بطبيعتها، غير منطوية على نفسها، إنمّا مرسلة إلى جميع الناس.
الرّسالة هي ما لا يمكن للمحبة أن تسكت عنه. الكنيسة تتبع يسوع المسيح
على الطريق الّذي يقودها إلى كلّ إنسان، حتى أقاصي الأرض (راجع أع 1: 8). هكذا يمكننا أن نرى في قريبنا الأخ والأخت الّذين لأجلهم مات المسيح وقام. ما اقتبلناه، اقتبلناه أيضا لهم. وبالمقابل، ما يملكه هؤلاء الإخوة هو عطيّة للكنيسة وللإنسانيّة جمعاء.
أيّها الإخوة والأخوات الأحبّاء، كم أرغب أن تصبح الأماكن الّتي تظهر فيها الكنيسة، رعايانا وجماعاتنا بشكل خاص، جزر رحمة في وسط بحر اللاّمبلاة.
3- ”ثبّتوا قلوبكم" (يع 5: 8) – المؤمن الفرد
نتعرّض أيضا كأفراد، إلى تجربة اللاّمبالاة. نحن متخمون بالأخبار والصور المزعجة الّتي تخبرنا عن الألم الإنسانيّ، ونشعر في الوقت عينه بكلّ عجزنا عن التدخّل. ما العمل كي لا تبتلعنا دوّامة الرعب والعجز؟
أوّلا، يمكننا الصلاة في شراكة الكنيسة الأرضيّة والسماويّة. لا نهملّن قوّة صلاة الكثيرين! مبادرة 24 ساعة للربّ، الّتي آمل أن يحتفل بها في كلّ الكنيسة، أيضا على الصعيد الأبرشي، في 13 و14 آذار، تهدف أن تعبّر عن الحاجة إلى الصلاة.
ثانيا، يمكننا المساعدة بواسطة لفتات محبّة، تصل إلى القريبين وإلى البعيدين، بفضل كثير من مؤسسات المحبّة في الكنيسة. زمن الصوم هو زمن مناسب لإظهار هذا الاهتمام بالآخر من خلال علامة، ولو صغيرة، لكن ملموسة، لإشتراكنا في الشراكة الإنسانيّة.
وثالثا، ألم الآخر يشكّل نداء للتوبة، لأنّ حاجة الأخ تذكّرني بهشاشة حياتي، وبارتباطي بالله وبالإخوة. عندما نطلب بتواضع نعمة الله ونتقبّل حدود إمكانياتنا، عندها نثق في الإمكانيات اللامتناهيّة الّتي تختزنها محبّة الله. ونتمكّن من مواجهة التجربة الشيطانيّة الّتي تجعلنا نعتقد أنّه يمكن أن نخلّص نفوسنا ونخلّص العالم وحدنا.
كي نتخطّى اللاّمبالاة وادعاءاتنا بالقدرة الكليّة، أريد أن اطلب من الجميع أن يعيشوا زمن الصوم هذا كمسار تنشئة للقلب، كما قال بندكتوس السادس عشر (الرسالة البابويّة، الله محبّة، 31). القلب الرحوم لا يعني قلبا ضعيفا. من يريد أن يكون رحوما يحتاج إلى قلب قويّ، صلب، مغلق بوجه المجرّب، ومنفتح على الله. قلب يترك الروح يتغلغل فينا ويحملنا على طرقات المحبّة الّتي تقودنا إلى الاخوة والأخوات. في العمق، قلب فقير، يعرف فقره الخاص ويبذل ذاته في سبيل الآخر.
لذلك، أيّها الاخوة والأخوات الأعزّاء، أرغب أن أصلّي معكم للمسيح في زمن الصوم هذا: "إجعل قلبنا مثل قلبك" (طلبة قلب يسوع الأقدس). عندها يكون لنا قلب قويّ رحوم، يقظ وكريم، لا ينغلق على ذاته ولا يقع في دوار عولمة اللاّمبالاة.
على هذا الأمل، أؤكّد صلاتي كي يقوم كلّ مؤمن وكلّ جماعة كنسيّة بعبور مثمر لمسيرة الصوم، وأطلب منكم الصلاة من أجلي. بارككم الربّ وحرستكم السيّدة العذراء من اللاّمبالاة.