المحبة هي الجوهر والباقي كلّه أعراف (1)
في العالم اليوم مصاعب ومصائب لا يحصيها العدّ. مشاكل أجيالٍ متفسِّخة, قضايا عنصريّات دينية وقومية, فواجِعُ شُعوبٍ مغصوبة, أزماتُ سكنٍ وعنفٍ وتخلُّفٍ وجهلٍ وفاقةٍ واغتراب. إنهيارٌ في مبادئ العقل والاخلاق بين الأفراد والمجتمعات والطبقات والدول والمعسكرات. وحروبٌ, حروبٌ على مدِّ البصر, كأنما الأرضُ عادت غابة, والبشر فيها وحوش.
القضايا المطروحة في العلم الواسع, هي أكبر من أن تُحَلّ. الإنسانُ سببها, وهو أصغر منها. إنها أكبر من فكره وخياله وإمكاناته.
وفي بلادنا صورةٌ مصغَّرةٌ عنها, بلادنا التي هي بأساسها مأزقٌ إنسانيّ, تجمّعت فيها أزمات العالم, ونحن هنا كما في العالم, صغارٌ أعجز عن حَلِّها.
إن المجتمعات الأكثر تقدُّماً بدأت تعلن عجزها عن حلّ القضايا المستعصية. وفيما الحلول؟ أَحُلولٌ سياسية؟ وجمعية الأمم التي تمثّل الوجدان العالمي وصلت إلى طريقٍ مسدود. أحلولٌ عسكرية؟ والاختبار يدلّ على أن منطق القوة هو جنون, فكلُّ غالبٍ اليوم مغلوبٌ غداً. أحلولٌ ثورية؟ ولكن الثورة واسطةٌ لا غاية. فكيف تتوقف مسيرتها عند حدّ؟ ومن يحدُّ لها الحدود فلا تتعدّاها؟
يتساءل المفكّرون, نفسُ المفكّرين الذين شتموا الديانات وسبّوا مؤمنيها, يتساءلون اليوم إذا لم يكن الحلّ في العودة إلى استلهام الأديان. ولكن الأديان, وقد تسلّمت مسؤولية العالم آلافاً من السنين, لم تُحسن سياسته, بل تعصَّب بعضها على بعض, فخرَّبت كثيراً, وأورثت كثيراً من الضغائن والأحقاد. إتّكل الإنسانُ قديماً على ربّه, وسلّم نفسه للأديان, فخانته السماء أو خانه الناطقون باسمها فكفر. ثم اتّكل على باعه وذراعه, فلم تُؤّمّن له الطبيعة خبزه كفاف يومه, والبرهان اليوم أنه لا يوجد من الخبز ما يؤمّن نصف رغيفٍ لكلّ إنسان.
أين الحلّ إذاً, وكيف الخلاص؟
تزعم المسيحيّة أنها تعرفُ حلاًّ وسبيلاً إلى الخلاص. وتشيرُ إلى شخصٍ, تتوجّه إلى وجهٍ, وتقُصُّ منذ ألفي عام على العالم حكايته.
في ذلك الزمان, كان ابن إلهٍ وإنسان, وحيدٌ واحدٌ, إسمه يسوع, أي المخلّص. جاء إلى العالم لينقذ العالم. ولا يزال منذ ذلك اليوم وتلك الساعة, يجيء كلّ يومٍ وساعة للغاية نفسها, للخلاص نفسه, للكلمة نفسها:" أنا هو الطريق والحق والحياة".
لا بدّ إذاً من استنطاقه وطرح عليه السؤال من جديد. لا كما تحدَّاه اليهود على الصليب:" يا زاعم تخليص العالم, خلص نفسك أولاً", بل كما يجب أن يُطرح السؤال: "إذا استطعت تخليص نفسك حقاً, نجونا نحن معك, ونجا الإنسان ونجا العالم."
لم يجبهم حينذاك, ولن يجيبنا الآن بمعجزة, ينزل بها عن الصليب ويُنزلُ معه كلّ المصلوبين. لم ينزل عن الصليب لأنه هو والصليب حالٌ واحد, لا ينفصلان. لن ينزل عن الصليب ليُجيب, لأنه هو هو على الصليب الجواب. جوابه هي هذه المحبة المصلوبة, هذه الباذلة الذات عن الآخرين, إذ ليس من حبٍّ أعظم من هذا, وليس من إلهٍ كهذا, عرَّضَ مجده على خشبة عار, ليُظهر للعالم حبّه. فحبُّه ظهر هناك على الصليب, لا معقولاً لدى العقول, "إذ إن الصليب حماقةٌ عند الأمم".
عادة الآلهة أن تحترم نفسها, وتفرض احترامها على عبيدها, وهو جاء لا يحترم ألوهيَّةً, لأن الاحترام والكرامة التي يطلبها, هي ليست لله, هي للمحبة, والمحبة هي الله.
عاش الناس منذ ما كانوا حسب شريعتين: الاولى هي شريعة الغاب, وهي أثرٌ في طبعهم, من غريزة الحيوان. والشريعة الثانية, هي شريعة الثأر, التي هي فطرة الإنسان: "السنّ بالسنّ والعين بالعين". لكن شريعة الثأر أحرزت تقدُّماً عظيماً بالنسبة إلى شريعة الغاب, لأنها وضعت حدّاً للثأر, إذ لا يحقّ للإنسان الذي كُسِرَت سنّه أن يكسر كلّ أسنان العدو. ولا إذا اقتُلعت عينه أن يقتلع عيني خصمه. بل عينٌ واحدة, وسنٌّ واحدة, بعينٍ واحدة وسنٍّ واحدة.
والشريعة الثالثة هي شريعة المحبة والغفران. شريعة الغاب هي للحيوان, وشريعة الثأر هي من طبع الإنسان. أما شريعة المحبة, الثالثة, فهي من شِيَمِ الله ومن طبعه. لقد جسّدها المسيح على الأرض, ومن بعد هذه الشريعة الثالثة, لا السنّ بالسنّ ولا العين بالعين, بل من لطمك على خدِّك الأيمن, حوّل له الآخر.(متى 5: 29)
من قال إن هذه شريعة ضعف, تلك التي تكبح جماح الإنسان, وتسيطر على فطرة الحيوان, وترتفع بكلّ شيءٍ إلى حيث لا تصل الإساءة؟ (يتبع(
الاب ميشال حايك
status of the week
just Do your best And GOD will Do the REST