• Home
  • رسائل الأحد
  • التوصيات
  • أخبار الرعية
  • مكتبة الصوَر
  • للأتصال

رسالة الاحد العدد 1063

  • Print
  • Email

 

المحبة هي الجوهر والباقي كلّه أعراف (2)

فلا حبّ القريب وبغض العدو من بعد, بل محبة كلّ إنسان, أيّاً كان لونه وعرقه ودينه ومهما بلغ به الذل, وشوّه به الشرّ والأذى, لا محبة العدل والتقاضي, بل محبة التغاضي والتفاني.

كيف يمكن أن يكون هذا؟ هل هذا مستطاع؟ أجل. بالمعجزة مستطاع. والمحبة هي المعجزة, هي الأعجوبة الوحيدة.

يجب أن يقرأ المسيحيّ, صباح مساء, أن يقرأ كلّ إنسانٍ, صباح مساء, كلام المسيح, عن المحبة في موعظته على الجبل. أن يتذكّر العالم خطاب المسيح الأخير, وصيَّة الله وهو يودّع الدنيا, ويقابل بها حياته, فيعرف الإنسان أين هو من الحقيقة. والحقيقة أنه لا يوجد إلا مسيحيٌّ واحد هو المسيح. أما الباقون منهم, إذا صحَّت فيهم الإرادة فهم طلاّب مسيحية فقط, لم يحصلوا بعد على شهادة المسيحية, لأن الشّهادة هي الاستشهادُ في المحبة.

بولس الرسول قرأ تلك الموعظة وتذكّر خطبة الوداع, وفسَّر الكلام في رسالةٍ بعث بها إلى أهل كورنثية, وأهل كورنثية حينذاك, كأهل العالم, كأهل لبنان, مشاكلهم كمشاكل المجتمعات كلها. كَتَبَ الرسول يقول لإبن كورنثية, لكي يسمع ابن العالم, ليسمع ابن لبنان, ويسمع ابن كلّ إنسان:" لو نطقت بكلّ لغات الناس, ولو كنت نبياً فأدركت الغيوب والعلوم ولو كان لك من الإيمان ما نقلت به الجبال عن مواضعها. ولو بذلت كلّ مالك للمساكين, ولم تكن فيك المحبة, فلا نفع لك من كلّ ما صنعت".

ولو كان بولس الرسول بيننا, لفسَّر لأبناء عصرنا المحبة, بكلامٍ معاصرٍ كهذا:

" لو اجترحتم أيها الناس المعجزات في العلم, فقطعتم المجرّات إلى أبعادها, لو حلّلتم ذرَّات الكون, وحلّلتم مستعطياته, لو قمتم باعظم البطولات المدهشة, لو تغلّبتم على الطبيعة, لو توصَّلتم إلى التغلّب على الموت نفسه, ولم تكن فيكم المحبّة, فباطلاً باطلاً ما تتعبون, لم تحلّوا بعد مشكلة, بل كثَّرتم المشاكل. بدون المحبة كلّ شيءٍ صفر. زالوا في امتحان الحياة وأنتم صفر اليدين من كلّ شيء".

المحبة ليست فضيلة من بين فضائل, هي الفضيلة كلّها. وما الفضائل الأخرى, سوى بنات المحبة, التي هي أمّ الفضائل. بدون المحبة الفضائل كلها يتامى. والمحبة ليست ركناً من أركان الدين, هي الدّين كلّه, وكلّ دينٍ يُعْرَفُ صدقه من المركز الذي أوسعهللمحبة فيه. والمحبة ليست صفةً من صفات, ولا إسماً من أسماء الله الحُسنى, هي

إسمُ الله الحقيقيّ, إسمُ العلم الإلهيّ, وباقي أسمائه تعالى, هي نعوتٌ للمحبة, لأنها هي ذاتٌ الله. هي الله, وهي خلاصة وحيه إلى العالم. فمن تعدّى على المحبة, فقد تعدّى ليس على الإنسان, تعدّى على الله الحيّ نفسه, فارتكب حقاً الخطيئة المميتة, خطيئة الموت, ضدّ الله, أي ضدَّ الحياة والوجود. إذ لا وجود إلا بالمحبة, ولا حياة إلا بها, ولا خُلِقَ إنسانٌ إلا من المحبة وللمحبة. ولا كان إله إلاّ للمحبة, ولا إله إلاّ المحبة.

هي شريعة السماء, ويجب أن تمشي بموجبها الأرض. لقد جسَّدها المسيح في حياته, لم يُنَزِّلها في حرفٍ أو في كتاب, بل في لحم ودم إنسانٍ منّا, ليدلَّنا على أن المحبة ليست كلاماً ورؤىً ونظريّاتٍ ونوايا وصلوات, بل هي المحبة جسدٌ ملموسٌ محسوسٌ يقاسم الآخرين جوعهم وشقاهم وموتهم ونزولهم إلى القبر والجحيم.

لقد برهن هو لنا أن ما يطلبه من الناس قد عاشه أوَّلاً قدّام الناس. وأن ما يصحّ على الله هو ما يصحّ على الإنسان, إذا شاء الإنسان أن يتخطّى حدوده إلى الألوهة.

لقد أحبَّ أعداءه وغفر لصالبيه. بارك شاتميه, ومات في سبيلهم شهيد محبته قبل أن يكون قتيل أعدائه. وهكذا يجب أن تعيش الكنيسة, إذا كانت كنيسة المسيح, وإلاّ بلاها.

بالمحبة وحدها هي مسيحيّة, هي كنيسة, نحن مسيحيّون. بدون المحبة, يمكن أن تكون المسيحيّة مؤسسة خيريّة أو تعاونية أو عقيدة إجتماعية أو طائفة أو حزباً. ولكن لن تستطيع أن تكون كنيسة المسيح إلاّ إذا كانت كنيسة المحبّة, وخادمة المحبة وشاهدةً لها بدون قيدٍ ولا شرط. ولو لم يبقَ شيءٌ للمسيحيّة وفيها ومنها ولو جُرِّدت من كلّ ملكيّة وامتياز, لو سقطت كل طقوسها, وزالت طوائفها ومؤسساتها, وبقيت في الأرض محبّة, فالكنيسة باقيةٌ حيثما وجدت المحبة, لأن المحبة هي الجوهر, والباقي كلّه أعراف.

فيا أيها الإخوة, بالمحبة, غير المسيحيّ هو المسيحيّ, ومن دون المحبة المسيحيّ هو غير مسيحيّ. فلو حَفِظَ المؤمنون, المؤمنون بأيّ دينٍ كان, الوصايا كلّها, وأقاموا كلّ فقرات الحقّ الإلهيّ منذ أول شريعة, إلى آخر وصيّة, لو صام الناس, وصلّوا وتزكّوا وتقّرّبوا وتبرّعوا بالخير, لو بنوا ألف معبدٍ وألف مزار على اسم ألف قدّيس ووليّ, فإن ذلك لن ينفعهم شيئاً, لن يغنيهم نفعاً, لأنه لن يعفيهم من المحبّة التي هي العفو, وهي العافية وهي الحرية. باطلاً ما يحاول الناس أن يجدوا عنها بديلاً وعوضاً, بالعبادات والصلوات والحسَنات. بدونها لا معنى لشيءِ, وكلّ شيءٍ له معنى إذا كانت المحبّة معنا.عبثاً نحاول, في هذا الوطن, وفي أيّ وطنٍ آخر, عبثاً نحاول ونحاور ونداور ونتزاور ونتصالح ونتصافح أو نتقاتل ونترامى, عبثاً نبحث عن حلٍّ في السياسة, في القوّة, في التراضي, في المصلحة, في التواصل. إذا لم تكن فينا المحبة, فكلّ ذلك قصيرٌ مؤقّتٌ لأبدٍ ما. إذاً, باطلاً ما نسعى, وإذا كانت فينا المحبّة فكلّ شيءٍ يهون, وحدها المحبة هي أقوى من الموت, وبدونها الموت أقوى من كلّ سلطان, ولنا الاختيار: إما الموت وإما المحبة. آمين

الأب ميشال حايك

 

 

Copyright © Designed by Shukrallah Assaf 2026 All rights reserved. Custom Design by Youjoomla.com
YJSimpleGrid Joomla! Templates Framework official website
رسائل الأحد