مبارك الاتي باسم الرب “
انتشر خبر احياء لعازار, في اليوم الرابع لوفاته, في جميع انحاء اليهودية, وكان قسم كبير من اليهود, قد شاهدوا يسوع مرات كثيرة في اورشليم, وخاصة في أيام العيد. رأوه يتنقل في أروقة الهيكل وسمعوه يجادل ويناقش علماء الشريعة والفريسيين ويسكتهم, فينتعش الامل عند بعضهم باقتراب ظهور المخلص المنتظر. وفي هذه الأيام وقد تجمعوا في الهيكل راحوا يتساءَلون: ”ما قولكم؟ اترونه آتياً الى العيد ام لا؟ (يو11-65) على أن عظماء الكهنة والفريسيين كانوا قد حزموا أمرهم واصدروا أوامرهم: ”أن على كل من يعلم أين هو فليخبرهم ليمسكوه“. (يو11:5).
وفي صباح الأحد, انتشر خبر قدوم يسوع من بيت عنيا الى أورشليم, فتجمهر جميع الذين أتوا الى العيد وانتظموا في مواكب غفيرة وحملوا سعف النخل وأغصان الزيتون وخرجوا لاستقباله يصرخون: ”هوشعنا, مبارك الاتي باسم الرب ملك اسرائيل“ (يو12/12-13). نعم, سيدخل يسوع أورشليم ملكاً ولكن كيف؟ أيدخلها على ظهر جواد مطهّم على غرار الملوك, أم على مركبة مذهّبةِ المقاعد ومزيّنة بالحرير كعادة اباطرة الرومان؟ فالنبي زكريا يجيبنا متنبئاً ومشيراً الى تواضع المسيح ووداعته: ”ابتهجي جداً! يا بنت صهيون, واهتفي يا بنت أورشليم, هوذا ملكك يأتيك, صدّيقاً مخلصاً وديعاً, راكباً على جحش ابن أتان“ (زكريا9/9(.
وفي دخوله أورشليم, أخذ الناس السائرون في موكبه, يبسطون أرديتهم أمامه على الطريق, ويفرش آخرون أغصاناً قطعوها من الحقول, والكل يهتف بملء الحناجر: ”هوشعنا لابن داود تبارك الآتي باسم الرب“. وهكذا دخل يسوع أورشليم بموكب رائع ”ضجت له المدينة كلها واضطربت وسألت: من هذا؟ فيجيب الجمع هذا النبي يسوع من ناصرة الجليل“.(متى 21/10-11).
وكان في عداد هذا الموكب المهيب والمظفَر بعض الفريسيين, يستطلعون ويتحرّون,
فلما شاهدوا قوة الشعب المحيط به, ابدوا بعض اللين, علّهم يخفّفون من تأثير يسوع
في الشعب المندفع, واظهروا غيرة على السلام والابتعاد عن اعمال الشغب والفتنة, وتنازلوا فسموا بخبث مسمومٍ يسوعَ بالمعلم قائلين:” يا معلم اردع تلاميذك“ مدّعين بأن الذي يقولونه لا يمكن أن يُقال في انسان فهذا يؤدي الى التجديف والى اثارة الفتنة فاجابهم يسوع:”أقول لكم لو سكت هؤلاء لصرخت الحجارة“ (لو19/ 39-40) نعم هذه الحجارة الجامدة, الصمّ والبكم هي مستعدة أن تشهد للمسيح الملك الآتي باسم الرب ليخلّص البشر. فهي ألين وأحنّ من قلوب البشر, التي ترفض رحمة الله, ونعمة الخلاص. جواب المسيح هذا شهر الحرب على الفريسيين وأولعها. فهي حرب لإظهار الحق ومجد المسيح وخلاص البشر. هي حرب كان يسوع يعرف ما سيقاسي بها من آلام ماديّة ومعنويّة. كان يعرف تماماً أن هتافات نهار الاحد اليوم ستتحوّل ”أصلبه“ نهار الجمعة, وأن سعف النخل ستنقلب شوكَ اكليلٍ لرأسه, وأن صليب الذل والهوان بنظرهم سيكون بانتظاره على الجلجلة. لذلك نشعر لدى قراءة هذا النص الانجيلي, ان يسوع كان يخفي حزناً صامتاً وألماً خافتاً خلال أناشيد الفرح واهازيج غبطة وطرب المواكبين, ونراه عندما يقترب من المدينة, ويطلّ على شموخ هيكلها وابّهته, يبكي لا على نفسه بل على أورشليم. إذ يتمثل أمامه ما سيلحقها من كوارث وبلايا من كل الجهات فيقول: ” لو كنتِ عرفتِ,أنت ايضاً في يومك هذا, ما هو لسلامك, ولكن قد خفي على عينك الان, ستأتي عليكِ أيام يحيط فيها بكِ اعداؤك من كل ناحية, ويضايقونك, ويسحقونك وبنيك الذين فيك, ولا يدعَون حجراً على حجر, لأنك لم تعرفي زمن افتقادك“ (لوقا 19/ 41-44). دخل يسوع أورشليم في موكب حافل فاتّجه اولاً نحو الهيكل, مركز احبارها وكهنتها وقادة الرأي فيها, هذا الهيكل الذي اطفأت فيه شهوة المادة شعلة الروح, وانقلبت فيه العبادة التي تحرّر بروحها الى استعبادٍ لحرف الشريعة. لقد تحوّل هذا الهيكل المقدس الى سوقٍ تُمارسُ فيه جميع أنواع البيع والشراء, يحتلّه باعة المواشي والحمام واليمام والذهب والفضة ويضطرب فيه الناس صاخبين ضاجين, فهنا نقاش ومساومة وهناك همس وخبث السماسرة, وبينهما ضجيج أطفال وصراخ وسُباب. فغُيِّبت فيه مظاهر العبادة الحق والورع والتقوى. هذا المشهد يفهمنا كيف أن يسوع وقد ” اكلته غيرة بيت أبيه“ يسرع ويتناول سوطاً وينهال فيه ضرباً على ظهور الباعة والصيارفة, ويطرد الجميع من الهيكل. مذكراً ما جاء في أشعيا(56 :7) وفي ارميا(7 :11)”بيتي بيت صلاة يُدعى وانتم جعلتموه مغارة للصوص“.
غضب الفريسيون من عمل يسوع هذا متسائلين: ”من هو هذا الذي يدخل هيكلنا ويتهجّم على عاداتنا وتقاليدنا وراحوا يبحثون سراً كيف يتخلصون منه لأن الشعب كان معجبًا بتعاليمه ومولعًا بالاستماع اليه“.(لو 19/ 48(
وفي تقاليدنا اللبنانية نجد أن احد الشعانين هو أهم واجمل موسم لأطفالنا, ينتظرونه ويحضّرون له من سنة الى سنة, فيتألقون بهجة وفرحاً بثيابهم الجديدة وبشموعهم المزينة بالازهار واغصان الزيتون, ويعتلون اكتاف آبائهم وذوي قرباهم ويسيرون وراء الصليب في موكب مهيب يتقدمه الكهنة والشمامسة والمرتلون مُنشدين ”هوشعنا لابن داود مبارك الاتي باسم الرب“.
فيا رب, يا من دخلت في مثل هذا اليوم هيكل أورشليم وطردت منه الباعة واللصوص والسماسرة والمزورين والمرائين, تلطف, وعرّج علينا, وادخل هيكل لبنان المعذّب, وأعمِل سوطك في ظهور لصوصه المتهافتين على امتصاص دمه, فتطّهره كما طهّرت هيكل الرب, ويعود ”بيت صلاة“ ومقراً للصالحين كما عُرف في العصور السالفة, وينعم أهله بالطمأنينة وراحة البال.
الأستاذ يوسف سركيس