أحد الثالوث الأقدس
تحتفل الكنيسة المارونيّة بأحد الثالوث الأقدس، الذي هو قمّة الأسرار اللاهوتيّة التي نتأمّل فيها طوال السنة، فبعد الآم الرّب وقيامته، ظهوره للتلاميذ وإرسالهم لهم للتبشير، صعوده الى السماء، نصل الى أحد الثالوث الأقدس.
إن الثالوث الأقدس هو السرّ المحوريّ للإيمان المسيحيّ وللحياة المسيحيّة. هو سرّ الله في ذاته، وبالتالي فهو يشكلّ مصدر أسرار الإيمان الأخرى وعلى ضوئه تتّضح الأسرار الأخرى. كلّ قصة الخلاص هي قصّة تجلّي الله الحقيقيّ والواحد: الآب والإبن والرّوح القدس، الّذي يصالح معه من انفصل عنه بالخطيئة ويضمّهم اليه. ( تعليم الكنيسة الكاثوليكيّة، 234). مهما حاولنا لن نستطيع أن ندرك سرّ الثالوث الأقدس بواسطة قوانا العقليّة وحدها أو بواسطة المنطق، "فالإنسان الّذي يحاول معرفة الله على ضوء العقل وحده سوف يصطدم بصعوبات جمّة. إذ لا يمكنه أن يدخل في حميميّة السرّ الإلهيّ. لقد أراد الله إنارة سعيه موحياً اليه، ليس فقط حقائق تتخطّى قدرة الإنسان على الفهم، إنّما أيضاً موحياً إليه حقائق دينيّة وأخلاقيّة.
معنى العقيدة: كلمة ثالوث هي العبارة التي استعملتها المجامع المقدّسة والآباء القديّسين للتعبير عن العقيدة المحوريّة في الايمان المسيحيّ، أي الإعلان عن الإيمان بإله واحد في ثلاثة أقانيم: الآب، الإبن والرّوح القدس. يقول القدّيس أثناسيوس الإسكندريّ: "الآب هو الله، والإبن هو الله، والرّوح القدس هو الله، ورغم هذا لا وجود لثلاثة آلهة إنّما إله واحد". الآب ولد الإبن، والروح انبثق من الآب بالإبن، إنّما هذه الولادة لم تتم في الزمن، وانبثاق الرّوح لا يعني أنّ الروح قد جاء بعد الآب من ناحية الوجود. منذ البدء كانت الأقانيم (الأشخاص) معاً، تشترك في الجوهر الإلهي وفي الطبيعة الإلهيّة رغم اختلاف الإقانيم.
هذا هو سرّ الإيمان: كيف يمكن أن نفهم حقيقة أن الله هو إله واحد وفي الوقت نفسه ثلاثة أقانيم؟ كيف نفهم حقيقة الإتّحاد الجوهري واختلاف الأشخاص؟ كيف نفهم أن الآب قد ولد الإبن دون أن يكون سابقاً له في الزّمن أو أكبر منه من ناحية الألوهة؟
هو سرّ يتخطّى قدرة عقلنا على احتوائه، نؤمن به، ونسعى الى فهمه بالقدر الّذي أُعطي لعقلنا أن يفهمه.
يخبر التقليد المسيحيّ القديم قصّة جرت مع القدّيس أغوسطينوس. بينما كان هذا القدّيس اللاّهوتيّ سائراً على شاطئ البحر يفكّر في سرّ الثالوث، رأى طفلاً يأخذ من
مياه البحر في صَدَفَةٍ صغيرة ويضع المياه في حفرة صغيرة حفرها. حين سأله القديّس عمّا كان يفعله أجاب الطفل: "أضع البحر في الحفرة"، فضحك القدّيس مدركاً العلامة الإلهيّة: لهو أسهل أن يوضع البحر في حفرة صغيرة من أن يُدرَك سرّ الثالوث بواسطة عقل الإنسان.
إنّما أذا أردنا أن نفتّش عن تشابيه تساعدنا على أن نفهم ولو قليلاً سرّ الثالوث الواحد والثلاثي الأقانيم، نفكّر في الإنسان نفسه: جسم وروح ونفس، كلّ عنصر منها مختلف عن الآخر، إنّما يبقى الإنسان واحداً لا ثلاثة، ولا وجود للإنسان من دون واحد من العناصر.
الإنسان الّذي يدخل في علاقة مع الآخر هو صورة للثالوث أيضاً: يخاطب بالكلمة. الكلمة تخرج من العقل بشكلها النظريّ، وتضحي "ملموسة" بواسطة الصوت. هذه العلاقة لا وجود لها دون واحد من هذه العناصر، لأنّ هذه العناصر الثلاثة تتّحد معاً فتُخلق العلاقة، وفي غياب واحد منها يكفّ التواصل، إنّما هي في الوقت عينه عناصر متمايزة، لكلّ منها وظيفة محدّدة.
الشمعة المضيئة ظلام ليلنا تعكس أيضاً سرّ الثالوث: النار والنّور والحرارة. لا وجود لعنصر من دون الآخر، ولا وجود للشمعة من دون واحد من هذه العناصر. لكل عنصر وظيفته، وكلّ عنصر متمايز عن الآخر، إنّما متّحدة كلّها بالطبيعة الماديّة ذاتها.
هي كلّها أمثال ملموسة، ماديّة، غير قادرة على إيفاء السرّ حقّه.
رغم أن عبارة "الثالوث" هي عبارة مجمعيّة وكنسيّة لا ترد في العهد الجديد، إلاّ أن حقيقة الثالوث الأقدس قد تجلت عبر عمل الأقانيم الإلهيّة في تاريخ الخلاص، والّتي نستشفّها من خلال الاناجيل الأربعة.
أعلن المسيح عن ذاته لفليبّس أنّه والآب واحد، واحد لا من ناحية الشخص، لأنّ الآب لم يتجسّد، بل من ناحية الطبيعة الإلهيّة الواحدة. "إنا في الآب والآب فيّ" (يو 14، 10): هما واحد من حيث الطبيعة، من حيث الجوهر، من حيث الأزليّة ومن حيث الكرامة.
"من رآني قد رأى الآب" يقول أيضاً يسوع لفليبّس، الطالب رؤية الآب ليؤكّد إيمانه، فالمسيح هو إيقونة الآب، أي الشخص الّذي أظهر للعالم وجه الآب الرحوم وهويّته، هو ليس واحداً معه من حيث الأقنوم، فهما متمايزان كأشخاص، إنّما من ناحية الطبيعة الإلهيّة، ومن ناحية الإرادة التي لا تمتزج إنّما هي في تناغم دائم وأبديّ، إرادة الآب التي تجلّت في عمل الإبن: إرادة الله في خلاص البشريّة.
والروح القدس قد تجلّى في العهد الجديد كروح الله وروح المسيح، هو مساوٍ لهما لأنّه روحهما. ولا يجب أن نفهم أنّ الروح القدس، لأنّه روح الآب فهو الآب نفسه، بل هو ينبثق من الآب كأقنوم متمايز ومساوٍ للآب في جوهره. وهو روح المسيح لأنّه عطية الآب من خلال الإبن وبواسطته. إنبثق منذ الآزل من الآب بالإبن، وأُعطي الى الكون ولا يزال يحرّك الكنيسة كعطيّة الآب لها من خلال الإبن الّذي فداها وترك لها الروّح كباراقليط، كمعلّم ومرشد ومعزٍّ آخر يقودها في سعيها نحو بيت الآب ليشارك الإنسان المنتصر في علاقة الحبّ الثالوثيّة الأبديّة.