ملح الارض نفتتح الصيف في رعيتنا ككل سنة بالاحتفال بقداس البحر, هذا التقليد الذي درجت عليه رعيتنا منذ سنوات طويلة, نقدمه على نية الذين قضوا في البحر, جادّين وراء لقمة عيشهم وحفظ كرامتهم. اخترنا لنا موضوعاً لهذا القداس وهو ”ملح الأرض“ حيث أن المسيح في إنجيله وبعد عظته على الجبل, التفت الى تلاميذه وجميع المتحلّقين حوله ليصفهم بأنهم ”ملح الأرض“(متى 5: 13). وقد اختارهم ليكونوا شهودا لرسالته يرسلهم عندما يحين الوقت, ليعلنوا ملكوته الى اقاصي الأرض. وهذا دليل على أنه لم يُرِد أن يقتصر واجب الرسالة, وارشاد الشعب, على التلاميذ ومن خَلَفَهُم ممن قبلوا درجة الكهنوت المقدسة, ونذروا أنفسهم للرب انما شاء أن يكون كل من آمن به, رسولاً في محيطه ”ملحا للأرض“ يُصلِح بقوله وعمله ما فسُد في نفسِه وفي قريبه وفي محيطه. إن ميزة الملح الاساسية هي أنه يُستعمل لإصلاح الطعام فيعطيه نكهة وطيبة وشهية تساعد الجائع على سد جوعه واستعادة نشاطه. كما أن الملح يُستعمل أيضاً لحفظ الاجساد من الفساد ويقيها شر العفونة والانحلالِ. واذا كان الملح الطبيعي له هذا الدور الاساسي في حياة البشر المادية, فماذا يعوِّض دورَه اذا فَسُدَ, وما النفع منه بعد ذلك, سوى ان يطرح في الخارج وتدوسه الناس كما يقول الرب يسوع في إنجيل القديس متى؟ وأي هوَّة بين الاستعمال الاول والثاني؟ ومن أي قمة الى اي هوّة؟ هذا على الصعيد المادي اما على الصعيد الروحي فلقد قصد المسيح بتعبيره ”أنتم ملح الارض“ أن ينبه الإنسان الى أهمية دوره وعمق رسالته في ان يكون النكهة والمُصلِح. يحمل الانسان في حياته عنصر الانحلال والفساد, فبمجرد أنه ولد يبدأ يموت. براءة الطفولة ونضارة الشباب وقوة الرجولة تُخفي في طياتها عوامل الفساد والتفكك والانحلال, وما يحدث للجسد يحدث للنفس ايضاً, فالميول المنحَرفة والاهواء السيئة هي آثار الخطيئة الاصلية يحملها الانسان وهي متأصلة في جسده, وهو إن لم يقمعها تنتهي به الى الموت الابدي. نحن نؤمن أن المسيح يقيم الانسان في اليوم الاخير. ولكن اذا ماتت النفس بالخطيئة فمن يقيمها؟ لا يقيمها المسيح إلا اذا سعينا في حياتنا لنحفظ أنفسنا بملح تعاليمه ونقيها من الفساد بالمثابرة على عيش وصاياه واحكامه واصلحناها بملح المحبة المسيحية فيكون كل واحد ملحا يُصلح نفسه. والإنسان مسؤول كما عن نفسه, كذلك عن قريبه, فالشهادة للمسيح ليس فيها أنانية أو انطواء على الذات, ولا يستطيع المؤمن أن يتقدس لذاته بل عليه أن يكون قدوه لغيره وخميرة طيبة في محيطه. وإلا فما معنى مثل الوزنات؟ ولماذا طلب يسوع من الشاب الغني أن يوزع ماله على الفقراء؟ إن كان المسيح هو الرأس في الجسد فالمسيحيون هم أعضاء هذا الجسد وإن لم نكن مثل الملح الذي يطيّب ويحفظ اعضاء المسيح يهترء الجسد كله ويتفتَّت. المؤمن يُصلح نفسه والقريب ويصلح بيئته فيحقق في حياته ما قاله لنا المسيح بلسان القديس مرقس: ”فليكن فيكم ملح ليصالح بعضكم بعضاً“ فكل من تشرَّب روح المسيح وحاول نشر رسالته وكان شاهدا له في قوله وعمله يصبح ”ملح الأرض“ بحسب رضى قلب المسيح. أن ما يخلق في النفوس شعور الأسف والقرف هو أن لا يقوم عضو بالغرض المرتجى منه. فما نفع الاذن إن كانت لا تسمع, وما نفع العين ان كانت لا ترى, وما نفع قنديل لا يضيء وخميرة لا تخمرّ وملح لا يصلح للطعام؟ وما نفع مسيحي لا يعيش ايمانه المسيحي وينشر في نفسه وقريبه ومحيطه روح المسيح ويكون ملحاً للأرض علمنا يا رب كما أن البحر غني معطاء بكل ما يحوي ان نكون على مثاله نعطي من دون حساب ونشهد لك من دون مواربة. الخوري بيار صعب زوادة كان صبي صغير يساعد والده في نقل بعض الكتب من غرفة مكتبه إلى غرفة أكثر اتساعًا في الطابق الأرضي. وكان من المهم للصبي الصغير أن يساعد والده، بالرغم من تباطؤه في العمل بسبب صغر سنِّه أكثر من كونه يؤدِّي مساعدة مثمرة لوالده. لكن هذا الابن كان له أب حكيم وصبور يعرف أنه من المهم أن يؤدِّي الابن الصغير واجبًا مع أبيه، أكثر من قيامه بهذا العمل بكفاءة. وكان من بين كتب هذا الرجل، بعض المجلَّدات الدراسية الكبيرة، وكان أمرًا مرهقًا للصبي الصغير أن يُنزلهم إلى الغرفة الأرضية. ولكن الذي حدث هو أنه بينما كان يحمل دفعة من هذه الكتب أن وقعت هذه الكتب من بين يديه عدة مرات. وبعدها، جلس الصبي الصغير على درجات السُّلَّم وأخذ يبكي بحرقة. فقد كان يحس بأنه لم يفعل أية خدمة مثمرة على الإطلاق. وأكثر ما آلمه أنه لم يستطع أن يفعل هذه الخدمة لوالده .ولكن الأب، ودون أن ينبسَّ ببنت شفة، جمع الكتب المبعثرة على السلَّم، ورتَّبها ووضعها بين ذراعي ابنه، ثم رفع على منكبيه كِلاَ الاثنين الصبي والكتب بين ذراعيه، وحملهما معًا نازلًا على السلَّم الضيق نحو الغرفة الأرضية. وهكذا أكمل الاثنان نقل رُزم الكتب مرة تلو الأخرى، وهما مبتهجَيْن برفقة كل واحد الآخر في إتمام هذا العمل الصعب: الصبي يحمل الكتب، والأب يحمل الصبي! الاَ تجد، أيها القارئ العزيز، في هذه القصة نموذجًا لِمَا يعمله الله معنا! نحن أصغر وأضعف من أن نتمِّم عمل الرب ونكمِّل واجباتنا نحوه. والمسيح إذ يعرف ضعفنا، ويحس بأنيننا بسبب تقصيرنا في ذلك، حَمَلَنا في جسده وجعلنا كأننا نحن الذين نعمل ونجاهد ونتألم.