مرسوم الدعوة إلى ”يوبيل الرحمة “ للبابا فرنسيس (2)
بمشاعر الامتنان هذه لما نالته الكنيسة ومشاعر المسؤولية تجاه الواجب الذي ينتظرنا، سنعبر الباب المقدّس وكلنا ثقة بأن قوة الرب القائم من الموت سترافقنا وستعضد مسيرة حجنا على الدوام. ليكن الروح القدس، الذي يقود خطوات المؤمنين ليعاونوا في عمل الخلاص الذي حققه المسيح، مرشد شعب الله وعضده فيساعده على التأمل في وجه الرحمة.
٥. ستُختتم السنة اليوبيلية في عيد يسوع المسيح ملك الكون، في العشرين من تشرين الثاني نوفمبر عام 2016. في ذاك اليوم، بإغلاق الباب المقدس ستغمرنا مشاعر الامتنان والشكر تجاه الثالوث الأقدس لأنه سمح لنا بزمن النعمة الاستثنائي هذا. سنكِلُ حياة الكنيسة، البشريّة بأسرها والكون الواسع إلى سلطان المسيح، لكي يفيض رحمته كندى الصباح من أجل تاريخ خصب يُبنى بالتزام الجميع بالمستقبل. كما أرغب أيضًا بأن تكون السنوات المقبلة مشبعة بالرحمة فنذهب للقاء كل شخص حاملين صلاح الله وحنانه! ليصل إلى الجميع، مؤمنين وبعيدين، بلسم الرحمة كعلامة لملكوت الله الحاضر بيننا.
٦. "استعمال الرحمة هو من ميزات الله وبهذا الأمر تظهر قدرته بشكل خاص". إن كلمات القديس توما الأكويني تُظهر كيف أن الرحمة الإلهيّة ليست أبدًا علامة ضعف بل هي ميزة قدرة الله. ولذلك، تصلّي الليتورجيا، في إحدى صلوات الجماعة القديمة: "اللهم، يا من تتجلّى قدرتك أسمى تجلٍّ، إذ ترحم وتغفر". فالله سيكون على الدوام في تاريخ البشرية كذلك الحاضر والقريب، المُدبِّر، القدوس والرحوم.
"صبور ورحوم" بهاتين الكلمتين يستعين العهد القديم ليصف طبيعة الله. كون الله رحيمًا يجد تأكيدًا ملموسًا في أعمال عديدة من تاريخ الخلاص حيث يسود صلاحه على القصاص والدمار. إن المزامير، بشكل خاص، تُظهر عظمة العمل الإلهي هذه: "هو الَّذي يَغفِرُ جَميعَ آثامِكِ ويَشْفي جَميعَ أَمْراضِكِ، يَفتَدي مِنَ الهوةِ حَياتَكِ ويُكَللكِ بِالرَّحمَةِ والرَّأفة" (مز 103، 3- 4). وبشكل أوضح يشهد مزمور آخر على علامات الرحمة الملموسة: "مُجْري الحُكْمِ لِلمظْلومين رازِقِ الجِياعِ خُبزًا. الرَّبُّ يَحُلُّ قُيودَ يتبعا لأَسْرى. الرَّبُّ يَفتَحُ عُيونَ العُمْيان الرَّبّ يُنهِضُ الرَّازِحين. الرَّبّ يُحِبُّ الأبْرار.
الرَّبُّ يَحفَظُ النّزلاء ويؤَيّدُ اليَتيم والأَرمَلَة ويُضِلُّ الأَشْرارَ في طَريقِهم" (مز 146، 7- 9). وختامًا، هذه عبارات أخرى لصاحب المزمور: "يَثني مُنكَسرِي القُلوب ويُضَمَدُ جِراحَهم. الرَّبُّ يؤيدُ الوُضَعاء ويُذِلُّ الأَشْرارَ حتًّى الأَرض" (مز 147، 3. 6). فرحمة الله إذًا ليست فكرة مجرّدة بل حقيقة ملموسة يظهر من خلالها محبته كأب وأمّ يتأثران حتى الأحشاء من أجل ابنهما. وبالتالي يمكن القول حقيقة بأنه حبّ "نابع من القلب". يأتي من الداخل كشعور عميق وطبيعي، مكوّن من الحنان والشفقة، تسامح ومغفرة.
۷. "إن إلى الأبد رحمته" هي اللازمة التي تكرّر بعد كل آية من المزمور 136 بينما تُروى قصة وحي الله. بقوّة الرحمة، تحمل أحداث العهد القديم كلها قيمة خلاصيّة عميقة. الرحمة تجعل تاريخ الله مع إسرائيل تاريخ خلاص. يبدو أن التكرار المستمر: "إن إلى الأبد رحمته"، كما يكرّر المزمور، يرغب بأن يكسر دائرة المكان والزمان ليُدخل كلّ شيء في سرّ الحب الأبدي. كما ولو كنا نريد القول بأنه ليس في التاريخ فقط بل وإلى الأبد أيضًا سيكون الإنسان على الدوام تحت نظر الآب الرحيم. وليس من وليد الصدفة أن يكون شعب إسرائيل قد أراد أن يُدخل هذا المزمور، "التهليل الكبير" كما يسمّونه، في الاحتفالات الليتورجية الأكثر أهميّة.
قبل الآلام صلّى يسوع مزمور الرحمة هذا. وهذا ما يؤكّده الإنجيلي متى عندما يقول: "وبعد أن سبّحوا" (متى 26، 30)، خرج يسوع والتلاميذ إلى جبل الزيتون. فبينما كان يؤسس الافخارستيا، كتذكار أبدي له ولفصحه، وضع يسوع بشكل رمزي عمل الوحي السامي هذا في ضوء الرحمة. وفي إطار الرحمة عينه كان يسوع يعيش آلامه وموته مدركًا لسرّ الحب الكبير الذي سيتمّ على الصليب. إن معرفتنا بأن يسوع نفسه قد صلّى هذا المزمور أيضًا، تجعله أكثر أهميّة بالنسبة لنا نحن المسيحيين وتلزمنا باتخاذ هذه اللازمة في صلاة تسبيحنا اليوميّة: "إن إلى الأبد رحمته".
۸. بتثبيت النظر على يسوع وعلى وجهه الرحيم يمكننا أن نفهم محبة الثالوث الأقدس. فالرسالة التي نالها يسوع من الآب هي بأن يُظهر سرّ المحبّة الإلهيّة بملئه. "الله محبة" (1 يوحنا 4، 8. 16)، يؤكّد الإنجيلي يوحنا للمرة الأولى والوحيدة في الكتاب المقدس بكامله. وهذه المحبّة قد أصبحت مرئيّة وملموسة في حياة يسوع بأسرها. وشخصه ليس إلا محبة، محبة تبذل ذاتها مجانًا. وعلاقاته مع الأشخاص الذين يقتربون منه تظهر شيئًا فريدًا لا يتكرر. الآيات التي يقوم بها، وخصوصًا تجاه الخطأة والفقراء والمهمشين، المرضى والمتألّمين هي تحت راية الرحمة. كل شيء فيه يحدث عن الرحمة. ولا شيء فيه خال من الرأفة. يتبع
status of the week
Don't think less of yourself, think of yourself less.