مرسوم الدعوة إلى ”يوبيل الرحمة “ للبابا فرنسيس (5)
۱٥. في هذه السنة المقدسة، يمكننا أن نختبر انفتاح القلب على من يعيشون في أقاصي الضواحي والتي يخلقها غالبا العالم المعاصر بطريقة مأساوية. كم هي كثيرة في عالم اليوم أوضاع الألم وانعدام الثبات! كم من الجراح المطبوعة في أجساد أشخاص كثيرين لا صوت لهم، لأن صراخهم اضمحل وانطفأ بسبب لامبالاة الشعوب الغنية. في هذا اليوبيل ستُدعى الكنيسة أكثر من أي وقت مضى للاعتناء بهذه الجراح ومداواتها بزيت العزاء وتضميدها بالرحمة ومعالجتها بالتعاضد والعناية الواجبة. دعونا لا نقع في فخ اللامبالاة التي تذل وفي الاعتياد الذي يخدّر النفس ويحول دون اكتشاف الحداثة من خلال التهكّم الذي يدمّر. لنفتح أعيننا كي نرى بؤس العالم، جراح العديد من الأخوة والأخوات المحرومين من الكرامة، لنشعر بأننا مستفَزون للإصغاء لصرخة النجدة التي يطلقونها. لنشد بأيدينا على أيديهم، لنجذبهم إلينا كي يشعروا بحرارة حضورنا وصداقتنا وأخوّتنا. لتصبح صرختهم صرختنا، ولنهدم معا حاجز اللامبالاة التي غالبا ما تسود لتخفي الخبث والأنانية.
أتمنى بشدة أن يفكر الشعب المسيحي خلال اليوبيل في أعمال الرحمة الجسدية والروحية. وستكون هذه الطريقة كفيلة بإيقاظ ضميرنا الذي ينزلق غالبا إلى السبات إزاء مأساة الفقر وبالغوص أكثر في قلب الإنجيل، حيث الفقراء هم المفضلون لدى الرحمة الإلهية. إن عظات يسوع تقدم لنا أعمال الرحمة هذه كي نفهم ما إذا كنا نعيش على غرار تلاميذه. دعونا نعيد اكتشاف أعمال الرحمة الجسدية: نطعم الجائع، نسقي العطشان، نُلبس العاري، نستقبل الغريب، نعتني بالمريض، نزور المسجون وندفن
الميت. ودعونا لا ننسى أعمال الرحمة الروحية: ننصح الشاكّ، نعلّم الجاهل، نحذّر الخاطئ، نعزي المحزون، نغفر الإساءة، نتحمّل الشخص المزعج بصبر، ونصلي إلى الله من أجل الأحياء والأموات.
لا يسعنا التهرب من كلمات الرب وسيُحكم علينا استنادا إليها: إذا ما قدمنا الطعام للجائع والمياه للعطشان. إذا ما أصغينا إلى الغريب وألبسنا العريان. إذا ما وجدنا الوقت للمكوث إلى جانب المريض والسجين (را. متى 25، 31-45). كما سنُسأل إذا ما ساعدنا الآخرين على الخروج من الشك الذي يوقع المرء في الخوف ويشكل غالبا مصدر الوحدة؛ إذا ما تمكنا من التغلب على الجهل الذي يعيش فيه ملايين الأشخاص، لاسيما الأطفال الذين يفتقرون إلى المساعدة اللازمة للخروج من حالة الفقر؛ إذا ما كنا قريبين من الوحيد والمحزون؛ إذا ما غفرنا لمن يسيء إلينا ونبذنا كل شكل من أشكال الحقد والضغينة اللذين يولدان العنف؛ إذا ما تحلينا بالصبر على غرار الله الذي يتعامل معنا بغاية الصبر؛ إذا ما أوكلنا إلى الرب بواسطة الصلاة أخوتنا وأخواتنا. المسيح نفسه حاضر في كل واحد من "أصغر الصغار". جسده يصبح مرئيا من جديد، كجسد معذب ومجروح ومصاب وجائع ونازح... كي نتعرف عليه، نلمسه ونعتني به باهتمام. دعونا لا ننسى كلمات القديس يوحنا الصليب: "في مغيب الحياة سنُحاسب على أساس المحبة".
١٦. نجد في إنجيل لوقا ناحية أخرى هامة كي نعيش اليوبيل بإيمان. يروي البشير أن يسوع عاد إلى الناصرة ودخل المجمع يوم السبت على عادته. طُلب منه أن يقرأ الكتابات المقدسة، فقرأ نصا من سفر النبي أشعياء: "روح الرب نازل علي لأنه مسحني لأبشر الفقراء وأرسلني لأعلن للمأسورين تخلية سبيلهم وللعميان عودة البصر إليهم وأفرج عن المظلومين وأعلن سنة رحمة عند الرب" (61، 1-2). "سنة رحمة": هذا ما أعلنه الرب ونحن نريد أن نعيش هذه السنة. هذه السنة المقدسة تحمل معها غنى رسالة يسوع التي يتردد صداها في كلمات النبي: حَملُ كلمة وبادرة عزاء للفقراء، إعلان تخلية سبيل المأسورين ضمن أشكال جديدة من عبودية المجتمع المعاصر، إعادة النظر إلى العاجز عن النظر بسبب انغلاقه على ذاته، إعادة الكرامة للمحرومين منها. عظات يسوع تصبح مرئية مجددا في أجوبة الإيمان الواجب أن تقدمها شهادة المسيحيين. فلترافقنا كلمات الرسول بولس: "من يرحم فليرحم ببشاشة" (رو 12، 8)
17. لنعش زمن الصوم في هذه السنة اليوبيلية بزخم أكبر كفرصة ملائمة للاحتفال برحمة الله واختبارها. كم هي كثيرة الصفحات في الكتاب المقدس التي يمكن التأمل بها خلال أسابيع زمن الصوم لإعادة اكتشاف الوجه الرحوم للآب! يمكننا أن نقول نحن أيضا، مكررين كلمات النبي ميخا: أنت أيها الرب، إلهٌ تحمل الآثام وتصفح عن المعاصي، لا تشدد غضبك للأبد لأنك تحب الرحمة. أنت يا رب ستعود وترأف بشعبك، ستدوس آثامنا وتطرح في أعماق البحر جميع خطايانا (را. ميخا 7، 18-19).
بإمكاننا في زمن الصلاة والصوم والمحبة لأن نتأمل بصفحات سفر النبي أشعيا: "أَلَيسَ الصَّومُ الَّذي فَضَّلتُه هو هذا: حَلُّ قُيودِ الشَّرِّ وفَكُّ رُبُطِ النِّير وإِطْلاقُ المَسْحوقينَ أَحْراراً وتَحْطيمُ كُلِّ نير؟ أَلَيسَ هو أَن تَكسِرَ للجائِعِ خُبزَكَ وأَن تُدخِلَ البائسينَ المَطْرودينَ بَيتَكَ وإذا رَأَيتَ العُرْيانَ أن تَكسُوَه وأَن لا تَتَوارى عن لَحمِكَ؟ حينَئِذٍ يَبزُغُ كالفَجرِ نورُكَ ويَندَبُ جُرحُكَ سَريعاً ويَسيرُ بِرُّكَ أَمامَكَ ومَجدُ الرَّبِّ يَجمعُ شَملَكَ. حينَئِذٍ تَدْعو فيَستَجيبُ الرَّبّ وتَستَغيثُ فيَقول هاءَنَذا إِن أَزَلتَ مِن أَبْنائِكَ النِّير والإِشارَةَ بِالإِصبَعِ والنُّطقَ بالسُّوء. إِذا تَخَلَّيتَ عن لُقمَتِكَ لِلجائِع وأَشبَعتَ الحَلقَ المُعَذَّب يُشرِقُ نوُركَ في الظُّلمَة ويَكونُ دَيجوُركَ كالظُّهْر ويَهْديكَ الرَّبُّ في كُلِّ حين ويُشبِعُ نَفْسَكَ في الأَرضِ القاحِلَة ويُقَوِّي عِظامَكَ فتَكونُ كَجَنَّةٍ رَيَّا وكيَنْبوعِ مِياهٍ لا تَنضُب" (58، 6-11). يتبع