• Home
  • رسائل الأحد
  • التوصيات
  • أخبار الرعية
  • مكتبة الصوَر
  • للأتصال

رسالة الاحد العدد 1105

  • Print
  • Email

 

مرسوم الدعوة إلى ”يوبيل الرحمة “ للبابا فرنسيس (7)

إنه الوقت الملائم لتغيير الحياة! إنه الوقت لتغيير القلب. فأمام الشر المرتكب، وجرائم خطيرة أيضا، إنّه وقت الإصغاء لبكاء الأشخاص الأبرياء المسلوبي الخيور، الكرامة، المشاعر، والحياة نفسها. إن الاستمرار في طريق الشر هو مصدر وهْم وحزن لا غير. فالحياة الحقيقية هي أمر آخر. إن الله لا يتعب أبدا من مدّ اليد. إنه دائم الاستعداد للإصغاء، وأنا أيضا، كما أخوتي الأساقفة والكهنة. يكفي فقط قبول الدعوة إلى التوبة والخضوع للعدالة، فيما تقدّم الكنيسة الرحمة.

۲۰. لن يكون عديم الجدوى في هذا الإطار التذكير بالعلاقة بين العدالة والرحمة. فهما ليستا بناحيتين متعارضتين مع بعضهما البعض، بل هما بُعدان لواقع واحد ينمو تدريجيًا حتى يبلغ ذروته في كمال المحبة. إن العدالة مفهوم جوهري للمجتمع المدني، حينما، وبشكل عام، تتم الإشارة إلى نظام قانونيّ يُطبَّق القانون من خلاله. ويُقصد بالعدالة أيضا واجب إعطاء كل واحد حقّه. وفي الكتاب المقدس، تتم الإشارة مرات كثيرة للعدالة الإلهية وإلى الله كديّان. ويُقصد هنا عادة بالحفظ الكامل للشريعة والتصرّف ككل إسرائيلي صالح بحسب الوصايا المُعطاة من الله. غير أن هذه النظرة قد أدّت مرات غير قليلة إلى الوقوع في حرفيّة الشريعة، من خلال تشويه المعنى الأصلي وإخفاء القيمة العميقة التي تمتلكها العدالة. وللتغلّب على هذه النظرة المتقيّدة بحرفيّة الشريعة، ينبغي التذكير بأن العدالة تُفهم جوهريًا في الكتاب المقدس كاستسلامٍ واثِق لمشيئة الله.

من جهته، يتكلّم يسوع مرات كثيرة عن أهمية الإيمان بدلا من التقيّد بالشريعة. وبهذا المعنى، ينبغي علينا أن نفهم كلماته حينما، وإذ كان جالسًا إلى المائدة مع متّى وباقي العشارين والخاطئين، قال للفريسيين الذين كانوا يعارضونه: "فهلاَّ تتعلّمونَ معنى هذه الآية: "إنما أُريدُ الرَّحمَةَ لا الذَّبيحة"، فإنِّي ما جِئتُ لأدعُوَ الأبرارَ بلِ الخاطئين" (متى 9، 13). وأمام النظرة لعدالة كحفظ محض للشريعة التي تدين من خلال تقسيم الأشخاص إلى أبرار وخطأة، يركّز يسوع على إظهار العطية الكبرى للرحمة التي تبحث عن الخطأة كي تقدّم لهم المغفرة والخلاص. ويُفهم لماذا، وبسبب نظرته المحرّرة هذه وينبوع تجدّد، رُفض يسوع من قبل الفريسيين والكتبة. فكي يبقى هؤلاء أمناء للشريعة،

كانوا يضعون أحمالاً على أكتاف الأشخاص، مُبطلين رحمة الآب. إن الدعوة لحفظ الشريعة لا يمكن أن تعيق الاهتمام بالحاجات المتعلقة بكرامة الأشخاص.

 إن تذكير يسوع بما كتبه النبي هوشع ـ "فإنَّما أُريدُ الرَّحمةَ لا الذبيحة" ( 6 ،6) ـ لهو معبّر جدا بهذا الصدد. يؤكد يسوع أنه من الآن فصاعدًا، ستكون قاعدة حياة تلاميذه تلك التي تضع أوَّلية الرحمة، كما يشهد هو نفسه، متشاركًا الطعام مع الخطأة. تظهر الرحمة، مرة جديدة، كبُعد جوهري لرسالة يسوع. إنها تحدٍّ حقيقي أمام محاوريه الذين كانوا يتوقفون عند الاحترام الشكلي للشريعة. أما يسوع فيذهب أبعد من الشريعة؛ فمشاركته مع أولئك الذين كانت الشريعة تعتبرهم خطأة تُبيّن لأيّ مدًى تصل رحمته.

قام بولس الرسول أيضا بمسيرة مماثلة. فقبل أن يلتقي المسيح على طريق دمشق، كانت حياته مكرّسة لإتباع البِرِّ الذي تقتضيه الشريعة بشكل لا عيب فيه (را. في 3، 6). وقاده الارتداد إلى المسيح لتغيير نظرته، لدرجة أنه يؤكد في رسالته لأهل غلاطية "ونحنُ أيضًا آمنَّا بالمسيحِ يسوع لكي نُبرَّرَ بالإيمانِ بالمسيح، لا بالعَمَلِ بأحكامِ الشَّريعة" (2، 16). وقد تبدّل مفهومه للبِرِّ بشكل جذري. ويضع بولس الآن الإيمان في المقام الأول لا الشريعة. فليس حفظ الشريعة ما يخلّص، بل الإيمان بيسوع المسيح الذي بموته وقيامته يحمل الخلاص مع الرحمة التي تبرِّر. يصبح بِرُّ الله الآن التحرّر بالنسبة للمثقلين بعبودية الخطيئة وكل تبعاتها. إن بِرَّ الله هو مغفرته (را. مز 51، 11 ـ 16).

۲١. لا تتعارض الرحمة مع العدالة إنما تعبّر عن تصرّف الله إزاء الخاطئ، مقدّمًا له إمكانية أخرى ليتوب ويرتدّ ويؤمن. إن خبرة النبيّ هوشع تساعدنا لتُظهر لنا تخطّي العدالة في اتجاه الرحمة. إن عصر هذا النبيّ هو من بين العصور الأكثر مأساوية في تاريخ الشعب العبريّ. فالمملكة على وشك الدمار؛ الشعب لم يبق أمينًا للعهد، ابتعد عن الله وفَقَد إيمان الآباء. وبحسب منطق بشري، من العدل أن يفكّر الله برفض الشعب غير الأمين؛ فهو لم يحفظ العهد المُبرَم، ويستحقّ بالتالي العقاب الواجب، أي المنفى. وإن كلمات النبيّ تشهد على ذلك "لن يَرجعَ إلى أرضِ مِصر وأشُّورُ هو يكونُ ملِكَهُ، وبما أنَّهم أبَوا أن يَرجِعوا إليَّ" (هو 11، 5). ومع ذلك، فبعد ردة الفعل هذه التي تستند للبِرِّ، يبدّل النبي لهجته بطريقة جذرية ويُظهر الوجه الحقيقي لله: "قد انقَلَبَ فيَّ فؤادي واضطَرَمَتْ أَحشائي. لا أُطلِقُ حدَّةَ غَضَبي ولا أَعودُ إلى تدميرِ أَفرائيم لأنِّي أنا اللهُ لا إِنسان والقدُّوسُ في وسطِكَ فلَن آتيَ ساخطًا" (11، 8 ـ 9). ويعلّق القديس أغسطينوس على كلمات النبيّ بالقول:" من الأسهل أن يمسك الله الغضب أكثر من الرحمة". وهكذا بالفعل. إن غضب الله يدوم لحظة، أمّا رحمته فتدوم إلى الأبد.

لو توقّف الله عند العدالة لن يكون الله بل يصبح ككل البشر الذين يدعون لاحترام الشريعة. فالعدالة وحدها لا تكفي وتعلّم الخبرة أن المطالبة بها فقط، تهدّد بتدميرها. ولهذا يذهب الله أبعد من العدالة مع الرحمة والمغفرة. ولا يعني ذلك التنقيص من قيمة العدالة أو جعلها سطحية، بالعكس. فمَن يخطئ يجب أن يُعاقب. غير أن ذلك ليس النهاية، إنما بداية التوبة، كي يُختبَر حنان المغفرة. إن الله لا يرفض العدالة. إنه يحتويها ويتخطاها في حدث أسمى حيث تُختبر المحبة التي هي في أساس عدالة حقيقية. علينا أن نولي انتباهًا كبيرا لما كتبه بولس لعدم الوقوع في الخطأ نفسه الذي أنّب عليه الرسول اليهودَ معاصريه: "جَهِلوا بِرَّ الله وحاوَلوا إقامةَ بِرِّهم فَلم يَخضَعوا لبِرِّ الله. فغايةُ الشَّريعةِ هي المسيح، لتَبريرِ كلِّ مؤمِن" (رو 10، 3 ـ 4). إن بِرَّ الله هذا هو الرحمة المعطاة للجميع كنعمةٍ بقوة موت يسوع المسيح وقيامته. فصليب المسيح هو إذا حُكم الله علينا جميعًا وعلى العالم، لأنه يقدّم لنا يقين المحبة والحياة الجديدة.                                                                                     يتبع

Copyright © Designed by Shukrallah Assaf 2026 All rights reserved. Custom Design by Youjoomla.com
YJSimpleGrid Joomla! Templates Framework official website
رسائل الأحد