عظة المطران منير خيرالله
في جناز جوني (حنا) عفيف شاهين
” كان ميتاً فعاش“
تحتفل الكنيسة اليوم في الثاني من شباط بعيد دخول المسيح إلى الهيكل. ونحتفل نحن هنا بعيد دخول جوني شاهين إلى هيكل السماء حيث المسيح القيامةُ والحياة قائم من عن يمين الله الآب. « كان ميتاً فعاش». قلنا هذه العبارة من كلام المسيح في الإنجيل وكتبناها في رسالة الأحد في التاسع والعشرين من كانون الثاني سنة 1996 يوم خضع جوني لعملية جراحية طارئة في القلب في إحدى مستشفيات دبي حيث كان يعمل كمهندس اتصالات في شركة ” سيتا“. وبسرعة البرق وصل الخبر إلى البترون. فتداعى الجميع إلى الصلاة وطارت العائلة إلى دبي مسلّمة أمرها إلى العناية الإلهية. وبعد الصلوات التي تُليت في لبنان ودبي، عاد جوني إلى الحياة بعد أن كان عبر إلى الجهة الثانية. وقال يومها شقيقه بسام: ”إن الإيمان وحده يبقى الأقوى والأجدى في فترة ضعفنا البشري، خاصة حين ينتهي دور العلم الرائد وقدرة آلة الطبّ المتطورة“ !.
عاد جوني بعد شهر إلى لبنان وهو يشكر الله على محبته وعلى نعمة الحياة الجديدة، وعادت معه الإبتسامة إلى العائلة والفرحُ الحقيقي إلى الرعية.
وفي التاسع والعشرين من كانون الثاني 2016، أي بعد عشرين سنة بالتمام، أُدخل جوني إلى مستشفى سيدة المعونات جبيل لإجراء الفحوصات على قلبه الضعيف، وكان للمرة الأولى في حياته مرتبكاً، وكأن الله ألهمه بقرب دعوته إليه. فراح يذكّرنا بما كان يردّده: ”عشرون سنة هي نعمة مضافة من الله“!. وفي الواحدة فجراً بعد انقضاء يوم الأحد، أحد تذكار الموتى، لبّى جوني دعوة الله ليستقبل ملكَ المجد وينتقل إلى السماء ويلتقي من سبقه. وعند وصول الخبر، عدنا حالاً إلى هواتفنا لنقرأ وصيته الأخيرة لرفاقه في فرق السيدة: ”جميل جداً أن نكون مستيقطين حتى منتصف الليل، ساهرين، لاستقبال ملك المجد. عن جدّ، إسهروا لا تناموا “!.
ونقرأ آخر تأمل له وقد استعاره من الأم تريزا: ” أن تثق بالله يعني أن تثق بقدرته الكلّية، بحكمته وبحبّه اللامتناهي“. جوني الواثق بالله وبقدرته وحكمته وحبّه اللامتناهي كان يعرف أنه أقوى من الموت، أنه للحياة، إذ كان يؤمن أن المسيح هو ”القيامة والحياة، وأن كل من يحيا ويؤمن به لن يموت للأبد“ (يوحنا 11/25-26).
هذا هو جوني المؤمن. ولا عجب في ذلك لأنه ابنُ عائلة لبنانية أصيلة نبتت في شدرا، في قلب الأرض العكارية الكريمة. عائلة كرّست ذاتها لخدمة الكنيسة والمجتمع والوطن على مثال الوالدين عفيف ووداد. ولدى اندلاع الحرب في لبنان، جاءت العائلة وسكنت البترون. وهنا تعرفنا على أبو بسام وأم بسام والأولاد يأتون كل يوم أحد إلى الكنيسة ويلتزمون بالرعية. راح غسان يشق طريقه في مؤسسة الجيش اللبناني على خطى شقيقه الشهيد سيمون الضابط في الجيش اللبناني. وكذلك فعلت ساميا. والتزم بسام وزوجته وفاء معنا في لجنة العائلة ومركز الإعداد للزواج إلى جانب خدمته للمجتمع البتروني واللبناني بخبرته الهندسية. والتزم جوني وزوجته جيزال في الفريق الثاني من فرق السيدة-عائلات مريم الذي أسسناه سنة 1992 مع أزواج ملتزمين من كبار حركة فرسان العذراء. وحركة فرق السيدة، أو أخوية عائلات مريم، تهدف إلى التعاضد والتعاون الروحي والمعنوي من خلال الصلاة والمشاركة وتبادل الخبرات. وتطلب من الأزواج أن يعيشوا معاً الروحانية الزوجية ويعيشوا زواجهم كدعوة من الله وكطريق إلى القداسة وأن يجعلوا من الإنجيل شرعة لحياتهم؛ وذلك تحت نظر أمنا العذراء مريم. هكذا بدأ مشوارنا الطويل مع جيزال وجوني. واقتنعنا معاً أن الحركة التي ننتمي إليها هي نبوية في الكنيسة والمجتمع، إذ هي مدرسة صلاة وتأمل تهدف إلى عيش الحبّ الزوجي في ضوء الإنجيل.
غادرنا جوني للعمل في دبي ثم بعد زواجه سنة 1993 لحقت به جيزال. وبقينا نتواصل في لقاءاتنا الشهرية بين لبنان ودبي بالصلوات والتأملات والمشاركة. وكان جوني يُتحفنا بتأملاته النابعة من تعّمقه في الإنجيل وفي كتابات آباء الكنيسة. وبعد عودتهما إلى البترون سنة 1996 مع جيزال الصغيرة، ترك جوني هندسة الاتصالات ليكون مربّياً في البترون ثم في جبيل والمنصف؛ وكان يعتبر أن رسالة التربية هي تطبيق للقيم المسيحية والعائلية التي تربّى عليها في عائلته والتي يلتزم بعيشها في فرق السيدة كما في الرعية والكنيسة، بدءاً بعائلته الصغيرة إذ يكون فيها مثالاً وقدوةً. آمن جوني وجيزال أن الحبّ الزوجي في الاحترام والتضحية والعطاء الكامل هو طريق إلى القداسة، وأن تلبية الدعوة إلى القداسة تبدأ في العائلة. كل ذلك إذا تغذّت بكلمة الله في الكتاب المقدس وبتعاليم المسيح في الإنجيل. فهل يموت من يلتزم بعيش هذه الدعوة ؟
جوني لم يمتْ؛ هل تؤمنين يا جيزال؟ وهل تؤمنون يا أهل بيته ورفاقه وتلاميذه؟ نعم، جوني لم يمتْ، يقول لكم المسيح. ومع أن حياته كانت قصيرة بيننا، لكنه يترك لنا مثالاً وقدوةً في من يثق بالله ويسلّم ذاته إليه؛ ويترك لنا إرثاً غنيّاً في عيش القيم المسيحية.
جوني حيّ مع المسيح؛ وسيبقى صوته النحيف يصدح في آذاننا ويقول: كونوا دوماً مستيقظين ساهرين ! لا تخافوا؛ ثقوا بالله. فأنتم قادرون على التغلّب على كل الصعاب، وعلى الالتزام معاً بالتضامن والمحبة من أجل إعادة بناء وطننا لبنان في دعوته التاريخية، وطناً رسالة لكل بلدان العالم.
إنها تعزية حارة وقلبية نتقدّم بها، باسم إخوتي صاحبَيْ السيادة والكهنة، وباسمكم جميعاً يا من أتيتم من عكار والبترون وكل لبنان، من الوالدّيْن، من الأشقاء والشقيقة وعائلاتهم، ومن آل شاهين، طالبين من الله أن يستقبل جوني في ملكوته السماوي وأن يقوّينا جميعاً على تحمّل مسؤولياتنا في عيش القيم وفي تلبية دعوته إلى القداسة. آمين. المسيح قام.
status of the week
GOD WILL CARRY YOU THROUGH THE STORM