"رسالة الصوم الكبير ويوبيل سنة الرحمة"،
البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي
مقدمة
1.الصوم الكبير ويوبيل سنة الرحمة مناسبتان تشكلان "الزمن المقبول لدى الله". فالصوم الكبير زمن مميز من السنة يهيئ المؤمنين للعبور الفصحي إلى حياة جديدة من خلال ثلاثة متكاملة: الصلاة وسماع الكلام الإلهي من أجل ترميم العلاقة الشخصية مع الله، والصيام والقطاعة من أجل ترويض الإرادة وترميم العلاقة مع الذات الإنسانية والمسيحية، وأعمال المحبة والرحمة من أجل ترميم علاقة الأخوة والتضامن مع الفقراء والمتألمين.
يوبيل سنة الرحمة يجعل من الصوم الكبير زمنا قويا للاحتفال برحمة الله، واختبارها وعيشها معه توبة وارتداد قلب، ومع الناس أفعال حنان وتضامن وغفران. وعبور الباب المقدس يرمز إلى رغبة في القلب والإرادة للبلوغ إلى الرحمة، ولالتزام أن نكون رحماء تجاه الآخرين، كما الله هو رحوم معنا.
مسيرة الصوم الكبير وعبور الباب المقدس في سنة الرحمة يذكراننا بأننا في حالة حج على وجه الأرض، وحالة مسافرين نحو هدف منشود، هو سعادة الحياة التي نجدها في الله، على ما كتب القديس أغسطينوس: "لقد خلقتنا لك يا رب. ويظل قلبنا قلقا ومضطربا حتى يرتاح فيك".
الفصل الأول: الصلاة وسماع كلام الله
2. قبل أن يعبر الرب يسوع من حياته الخفية في الناصرة إلى حياته العلنية والبدء برسالته الخلاصية، لجأ إلى الصلاة والصوم أربعين يوما في البرية. فاستمع في أعماق قلبه إلى كلام المزامير والأنبياء، مكتشفا أكثر فأكثر إرادة الآب، وتمكن بقوة الكلام الإلهي من الانتصار على تجارب الشيطان الثلاث . والمزمور الذي كان يتلوه كل يوم "كلامك مصباح لخطاي ونور لسبيلي"، جعله يجد الكلام الإلهي الملائم للانتصار على كل واحدة من التجارب الثلاث.
"ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله"، بهذه الكلمة الإلهية من كتاب تثنية الاشتراع، انتصر يسوع على تجربة إنهاء صومه بتحويل الحجارة إلى خبز، لكونه إلها قديرا. لم يستعمل يسوع قدرته هذه، لكي يواصل صيام التوبة والتكفير عن جميع خطايا البشر.
"مكتوب أيضا: لا تجرب الرب إلهك"، كلمة إلهية ثانية لجأ إليها يسوع من كتاب المزامير، لكي ينتصر على تجربة العجب بالنفس، واستغلال جودة الله لمنافع شخصية فالشيطان لجأ في تجربته إلى كلام إلهي من كتاب المزامير: فإذا ألقى بنفسه من شرفة الهيكل إلى أسفل "يوصي الله ملائكته به، وعلى أيديهم يحملونه، لئلا تصطدم رجله بحجر".
"للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد"، استلهم يسوع هذه الكلمة الإلهية من الوصية الأولى من وصايا الله العشر، للانتصار على تجربة الخيانة بعبادة آلهة غير الله، من أجل مكاسب ومطامح. فالشيطان وعد يسوع بإعطائه جميع ممالك الدنيا ومجدها إذا جثا ساجدا له.
3. لقد علمنا الرب يسوع الكثير في انتصاره على التجارب الثلاث:
بقوة الصلاة وسماع كلام الله، انتصر يسوع على تجربة إعلان نفسه إلها بعلامة حسية هي تحويل الحجر إلى خبز، لئلا يضحي بنهج إخلاء ذاته من أجل خلاص البشر. إنها تجربة الخبز والمال والسلطة، التي يتعرض لها عالمنا، مشككا بالله وبقدرته:"أين هو الله؟ ما هي قدرته أمام قدرة البشر؟" هكذا يتساءل المشككون عابدو خيرات الأرض والمال والسلطة. ويتساءلون:"ماذا تفعل لكم الكنيسة؟ إنها عديمة القدرة على سد حاجات الناس المادية، بل عديمة التأثير على السياسيين والإقطاعيين والرأسماليين.
"الجيل الشرير يطلب آية". لكن الله، المتجلي في يسوع المسيح والكنيسة، جسده السري، لا يعرفان بالآيات الحسية بل بالإيمان والحب. إن أسياد الدول النافذين المتسلطين على شعوبهم، وغير الآبهين بحالات فقرهم وحرمانهم وتبددهم "مثل خراف لا راعي لها"، هؤلاء لم يحولوا الحجارة إلى خبز، بل على العكس أعطوا شعوبهم حجارة بدلا من الخبز.
أما يسوع فحول الخبز إلى جسده والخمر إلى دمه، طعاما سماويا يسند حياة البشر كل يوم، من أجل تعزيز عالم أفضل قائم على التضحية والمحبة والعطاء. فتكثر ثروات الأرض وتشبع جميع سكانها، جيلا بعد جيل .
قال الأب اليسوعي الألماني Alfred Delp، قبل أن يقتله النازيون:"الخبز مهم، والحرية أهم، أما ما هو أهم من الكل فهي الأمانة التي لا تخدع أبدا" .
ب. وعلمنا الرب يسوع، بانتصاره على التجربة الثانية، كيفية الانتصار على تجربة الادعاء والعجب بالنفس، التي تسمح للشخص بشرح كلام الله على هواه. فالشيطان المحتال لجأ إلى كلام إلهي في المزمور 91، لكي يخضع يسوع لهذه التجربة، فيلقي بنفسه من أعلى شرفة الهيكل، فتحمله ملائكته لئلا يصاب بضرر. كم من الناس واللاهوتيين والمعلمين والباحثين وأصحاب الايديولوجيات يجتزئون كلام الكتب المقدسة ويفسرونها وفقا لمصالحهم ومن أجل بلوغ أهدافهم! فيزرعون الشك في النفوس حول حقيقة الله، ومضامين الوحي الإلهي، وتعليم الكنيسة، ويحتلون مكان الله.
أما يسوع فاتخذ صورة عبد، وأطاع حتى الموت على الصليب، المعروف بخشبة العار، من أجل فداء البشرية جمعاء، وانحدر إلى ظلمة الأموات، وأشع عليهم نوره الخلاصي. فتجلت محبة الله ورحمته اللامتناهية لكل انسان. وبدلا من أن يرمي بنفسه من أعلى شرفة الهيكل ليظهر عظمته للبشر، مناقضا كل نهج التواضع، "رفعه الله من ظلمة الموت إلى أعلى السماوات، وأعطاه اسما يفوق جميع الأسماء، لكي تجثو له كل ركبة في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض، ويشهد كل لسان أن يسوع المسيح هو الرب، تمجيدا لله الآب. يتبع