من رسالة البابا فرنسيس لليوم العالمي الحادية والثلاثين للشباب 2016
(يوبيل الشباب في كاراكوفيا تموز 2016) (1)
1- يوبيل الرحمة
ليست المرة الأولى التي يُصادف فيها لقاء دولي للشباب مع سنة يوبيليّة. في الواقع، وخلال السنة المقدسة للفداء (1983/ 1984) دعا القديس يوحنا بولس الثاني للمرّة الأولى شباب العالم بأسره إلى أحد عيد الشعانين. من ثَمَّ وخلال اليوبيل الكبير لعام 2000 اجتمع في روما مليونا شاب من حوالي 165 بلدًا للاحتفال باليوم العالمي الخامس عشر للشباب. وكما حصل في هاتين الحالتين السابقتين، أنا متأكّد أن يوبيل الشباب في كراكوفيا سيكون أحد أقوى اللحظات خلال هذه السنة المقدسة!
قد يتساءل البعض منكم: ما هي هذه السنة المقدّسة التي تحتفل بها الكنيسة؟ إن النص الكتابي الفصل الخامس والعشرين من سفر الأحبار يساعدنا على فهم ماذا كان يعني "اليوبيل" بالنسبة لشعب إسرائيل: كل خمسين سنة كان اليهود يسمعون صوت البوق (يوبل) يدعوهم للاحتفال بسنة مقدّسة(يوبيل) كزمن مصالحة (يوبال) للجميع. ينبغي في هذه المرحلة استعادة علاقة جيّدة مع الله والقريب والخليقة مبنيّة على المجانيّة. لذلك، ومن بين الأمور الأخرى، كان يُعزز الإعتاق من الديون، والمساعدة الخاصة لمن كان يعيش في بؤس، تحسين العلاقات بين الأشخاص وتحرير العبيد.
فيسوع المسيح قد جاء ليعلن ويحقق الزمن الدائم لنعمة الرب ويحمل البشرى السارة للفقراء، ويخلي سبيل الأسرى ويعيد البصر للعميان ويفرج عن المظلومين (راجع لوقا 4، 18- 19). فبه، ولاسيما في سرّه الفصحي، يجد المعنى الأعمق لليوبيل تمامه الكامل. فعندما تدعو الكنيسة باسم يسوع لإقامة يوبيل، نكون جميعنا مدعوين لعيش زمن نعمة استثنائي. والكنيسة بدورها مدعوة لتقدم بوفرة علامات حضور الله وقربه وأن توقظ في القلوب القدرة على النظر إلى الجوهري. وهذه السنة المقدسة للرحمة بشكل خاص: "هي الزمن للكنيسة لتجد مجدّدًا معنى الرسالة التي أوكلها الرب إليها يوم الفصح بأن تكون أداة لرحمة الآب" (عظة صلاة الغروب في أحد الرحمة الإلهيّة، 11 نيسان 2015).
2- رُحَمَاء كالآب
إن شعار هذا اليوبيل الاستثنائي هو "رُحَمَاءَ كالآب" (راجع وجه الرحمة، 13)، وبهذا الشكل يتناغم مع موضوع اليوم العالمي للشباب المقبل. لنسعى إذًا لفهم معنى الرحمة الإلهية بشكل أفضل.
يستعمل العهد القديم عبارات مختلفة للحديث عن الرحمة، وأهمّها "حِسِد" و"رَحَميم".
الأولى تُطبّق على الله وتُعبِّر عن أمانته التي لا تكِلُّ للعهد مع شعبه الذي يُحبُّه ويغفر له للأبد. أما العبارة الثانية "رَحَميم" يمكن ترجمتها بكلمة "أحشاء"، كإشارة بشكل خاص إلى الحشا الوالدي فنفهم بهذا الشكل محبة الله لشعبه كمحبة أمٍّ لابنها. هكذا يُقدِّمه لنا النبيُّ أشعيا: "أتنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟ حتى ولو نسيت النساء فأنا لا أنساك" (أشعيا 49، 15). إن محبة من هذا النوع تعني إفساح مجال للآخر في داخلي، فأشعر وأتألّم وأفرح مع القريب.
إن المفهوم البيبلي للرحمة يشمل أيضًا حبًّا ملموسًا وأمينًا، مجانيًّا ويسامح. ولدينا في هذا المقطع من سفر هوشع مثالاً جميلاً عن محبة الله التي يشبّهها لمحبّة أب لابنه: "لما كان إسرائيل صبيًّا أحبَبتُه ومِن مصرَ دعوت ابني. يدعونهم لكنّهم يُعرضون عنهم؛ [...] أنا درّجتُ أفرائيم وحملتهم على ذراعي لكنّهم لم يعلموا أني اهتممتُ بهم. بحبال البشر، بروابط الحب اجتذبتهم وكُنتُ لهم كمن يرفع الرضيع إلى وجنتيه وانحنيت عليه وأطعمتُه" (هوشع 11، 1- 4). وبالرغم من موقف الابن الخاطئ، والذي يستحق قصاصًا، يبقى حبُّ الأب أمينًا ويغفر على الدوام للابن التائب. وكما نرى فالرحمة تتضمّن المغفرة على الدوام، فهي "ليست فكرة مجرّدة بل حقيقة ملموسة يظهر من خلالها محبته كأب وأمّ يتأثران حتى الأحشاء من أجل ابنهما. [...] تأتي من الداخل كشعور عميق وطبيعي، مكوّن من الحنان والشفقة، تسامح ومغفرة" (وجه الرحمة، 6)
أما العهد الجديد فيحدثنا عن الرحمة الإلهية (إيليوس) كخلاصة لعمل يسوع الذي جاء ليحققه باسم الآب في العالم (راجع متى 9، 13). فرحمة ربنا تظهر بشكل خاص عندما ينحني على البؤس البشري ويُظهر رأفته تجاه الذين يحتاجون للتفهُّم والشفاء والمغفرة. كلُّ شيء في يسوع يتحدث عن الرحمة، لا بل هو الرحمة بحد ذاتها. في الفصل الخامس عشر من إنجيل لوقا يمكننا أن نجد أمثال الرحمة الثلاثة: مثل الخروف الضال، ومثل الدرهم الضائع، وذلك المثل المعروف بمثل "الابن الضال". في هذه الأمثال الثلاثة يؤثِّرُ فينا فرح الله، الفرح الذي يشعر به عندما يجد خاطئًا ويغفر له. نعم، فرح الله هو المغفرة! هنا نجد خلاصة الإنجيل بأسره. " كلّ منا هو ذلك الخروف الضائع والدرهم الضائع، كلّ منا هو ذلك الابن الذي فقد حريّته بإتباعه للأصنام ولسراب السعادة فأضاع كلّ شيء. لكن الله لا ينسانا والآب لا يتركنا أبدًا. إنه أب صبور ينتظرنا على الدوام! يحترم حريتنا ويبقى أمينًا أبدًا وعندما نعود إليه يستقبلنا كالأبناء في بيته لأنه لا يكفُّ أبدًا عن انتظارنا بمحبة، وقلبه يعيِّدُ بكل ابن يعود إليه. يُعيّد بسبب الفرح، والله يفرح عندما يذهب إليه خاطئ من بيننا ويطلب مغفرته" (صلاة التبشير الملائكي، 15 أيلول 2013).
إن رحمة الله ملموسة بشكل كبير وجميعنا مدعوون لنختبرها بأنفسنا. عندما كنت في السابعة عشرة من عمري، وفي يوم كان ينبغي علي أن أخرج فيه مع أصدقائي، قرّرت أولاً أن أُعرّج على الكنيسة. وهناك وجدت كاهنًا أوحى إلي بثقة مميّزة وشعرت برغبة فتح قلبي في الاعتراف. وذلك اللقاء قد بدّل حياتي! لقد اكتشفت أنه عندما نفتح قلوبنا بتواضع وشفافيّة يمكننا أن نتأمّل برحمة الله بشكل ملموس. لقد تأكّدت أن الله كان بانتظاري في شخص ذاك الكاهن، قبل أن أقوم بالخطوة الأولى لأدخل إلى الكنيسة. نحن نبحث عنه ولكنّه يسبقنا على الدوام، يبحث عنا على الدوام ويجدنا أولاً. ربما قد يكون لدى أحدكم ثقل في قلبه ويفكر: لقد فعلت هذا وذاك...لا تخافوا! هو ينتظركم! إنه أب ينتظرنا على الدوام! ما أجمل أن نلتقي عناق الآب الرحيم في سرّ الاعتراف، وأن نكتشف كرسيّ الاعتراف كمكان للرحمة، ونسمح أن يلمسنا حب الرب الرحيم الذي يغفر لنا على الدوام!
يتبع