أصل عبادة قلب يسوع الأقدس - القديسة مارغريت ماري ألاكوك ورسالتها السماوية (3)
4. القديسة مارغريت مارى ألاكوك ورسالتها السماوية
في حـوالـي عـام 1673ترآى السيد الـمسيح لإحدى الراهبات وإ سمها مارغريت ماري ألاكـوك (1647-1690) في فرنسا وأراهـا قلبه الأقدس مـحاطـاً باللهيب وفوقه علامة الصليب وناداها قائلاً:"ها هو قلبي الذي أحب البشر حتى تفانـي لأجلهم ولا يلحقه منهم سوى الجفاء والفتور". وظهر لها مرة أخرى بجروحاته الخـمـس: اليد اليمنى،اليد اليسرى، القدم اليمنى، القدم اليسرى، والجنب الأيـمـن. وأعلن لها عن حبــه الإلهي اللا متناهي للبشر وطلب منها قائلا: "خففّــي أنت على الأقل من آلامي بالتعويض عن خيانات البشر بقدر ما تستطعين ". وذكر لها السيد الـمسيح كيف يخونــه البشـر امــام حبــه لــهم . وتوالت الظهورات وفي كل مرة يظهر وقلبــه ملتهب كما نراه الآن فى الصور الـمرسومة. وكان رد الراهبة: كيف أستطيع التعويض عن ما لحقك يا رب من خيانات إخوتـي البشــر؟.
وسجـّـلـت القديسة مارجريت ماري هذه الرغبات والوعود وحاولت نشرها ولكن كانت فى حدود ضيقــة وماتت بعدها فى 17 اكتوبر من عام 1690.
وفي عـام 1833 وفي أحد اديرة راهبات القديس اغسطينوس فى باريس, أبدت أحد تلميذات الرهبنة وتدعى أنجيل دى سانت لا كروا الى رئيسة الدير في ذاك الوقت القديسة جيروم لماذا لا تخصص الكنيسة شهرا كاملا لتكريم قلب يسوع أسوة بالـشهر المريمي والذي بدأ فى ممارسته من القرن السادس عشر، وبالفعل بدء إعداد بعض القراءات والصلوات لقلب يسوع وتم الإستعانة بما كتبته القديسة مرجريت ماري وكذلك الأب كروازيـه والأب Galliffet وغيرهم وبعد موافقة السلطات الكنسية مثل البابا كليمنت الثالث عشر(1765) والبابا بيوس السادس (1794) تم البدء في نشر هذه العبادة والتكريم في الأديرة والكنائس والعائلات.
وفي 11يونيو عام 1899 أعلن البابا لاون الثالث عشر ضرورة تكريس كل الـمؤمنين انفسهم لقلب يسوع الأقدس وقال: "ها انه اليوم مقدمة لنا راية اخرى الهية بها رجانا الا وهي قلب يسوع الأقدس الساطع في وسط اللهيب والـمرتفع فوق الصليب فلنضع به ثقتنا".
ومن عهد البابا لاون الثالث عشر(1878-1903) وحتى البابا يوحنا بولس الثانـي (1978- ) بدء باباوات الكنيسة الكاثوليكيـة فى حث العالم الكاثوليكي على تقديم الإكرام
والتعويض اللائق لقلب يسوع الأقدس وضرورة التأمل بعظائم قلب يسوع وعجائب عطفـه
وحنانـه نحــو البـــشر وذلك بإصدار العديد من الرسالات البابويـة. فلقد أصدر كلاً من البابا بيوس العاشر فى عام 1906، والبابا بيوس الثانـي عشر فى عام 1956 والبابا بولس السادس فى عام 1965، والبابا يوحنا بولس الثانـى فى عام 1984 وعام 1986 وعام 1994 وعام 1999 العديد من الرسائل الباباويـة لحث كل الـمؤمنيـن أن يكون حب يسوع ماثلاً دائـماً أمامهـم وأن نضع حب الله فوق أي إهتمامات أخرى دنيويـة وضرورة ـنمو الحيـاة الروحيـة للوصول للقداسة التي يطلبهـا الله منـا الذى "إختارنـا فيـه من قبل إنشاء العالـم لنكون قديسين وبغيـر عيب أمـامـه بالـمحبة"(افسس4:1).
لا يـمكن القول بتاتـا ان عبادة القلب الأقدس قد ظهرت فجأة فى الكنيسة نتيجة لظهورات السيد الـمسيح للقديسة مارجريت مارى الاكوك ولكن سوف نجد انـه نتيجة لوجود العديد من الأشخاص الذى آمنوا بأهمية التعبير لقلب يسوع عن حبهم لـه وتعويضه عن تلك الإهانات التي لحقت بـه من البشر. ولا غرابـة فـي ذلك فتاريخ الكنيسة يحوى العديد من حوادث ظهور للسيد الـمسيح من بعد صعوده إلـى السـماء لبعض الناس لتلقينهـم بعض الحقائق والسابق إيداعـها للكنيسة وذلك بقصد زيـادة إعلان ونشر لتلك الحقائـق الإيـمانيـة. فالسيد الـمسيح قد ظهـر لتلميذي عـماوس "ثـم أخذ يُفسر لهـما من موسى ومن جـميع الأنبيـاء ما يختص بـه فـى الأسفار كلهـا"(لوقـا26:24)، وظهـر لشاول الطرسوسي ويدعوه" إنـاء مختـار ليحمل إسمي أمام الأمم والـملوك وبني إسرائيل"(أع15:9).وكذلك فـى عام 312م ظهر للـملك قسطنطين وطلب منـه رسم علامـة الصليب وبالفعل إنتصر الـملك قسطنطين وآمـن بالمسيح وشيّد الكنائس ومنذ هذا التاريخ إزداد الـمؤمنون تقوى وإكرام نحو عود الصليب الـمقدس. وظهـورات السيد الـمسيح لبعض القديسين وإن قـد إستمر حتى هذا القرن فـما هـى إلاّ تعبير حقيقي عن محبـة الله للإنسان ورغبتـه فـى عودة نفوس عديدة للإيـمان بالـمسيح مع تجديـد الحيـاة الروحيـة، فهناك مازال خطـأة كثيـرون لـم يعودوا إلـى الله ، وما زالت هناك طوائف عِدة قسّمت الكنيسة - جسد الـمسيح السريّ - وهذا مـما يسبب ألـماً للجسد كلـه. ومـا زالت هناك الـماديـة والتى هـى الإلـه السائد بين البشر وتركـوا الله فحق ما قاله السيد الرب عن علامات الأزمنـة عن أن البشر عند إقتراب الـمنتهـى "يـمقت بعضهم بعضـاً ويقوم أنبيـاء كثيـرون ويضلّون كثيـريـن ولكثـرة الإثـم تبـرُد الـمحبـة من الكثيـريـن"(متى10:24-12).
إذاً فإن عبادة، أوتكريم قلب يسوع ما هي إلا رياضــة دينيــة موضـوعهـا هو قلب يسوع والـمتوقـد حبـا ً للبشـر والـُمهان من هؤلاء البشر. ولا يـمكن القول ان موضوع هذه العبادة هو هذا القلب بإعتباره منفصلاً عن اقنوم الكلمة الـمتجسد،ولا انها توجه فقط لهذا القلب دون باقى ناسوت السيد الـمسيح،ولا انها توجه إلى الجزء الـمادى من جسم الـمسيح الـمعروف بإسم القلب،ولكن إنـما توجّه الى الشيئ الـمرموز بالقلب وهو حب يسوع نحو البشر،أليس هو القائل لنا"تعلموا مني فـإنـى وديع ومتواضع القلب"(متى29:11).
ان العبادة لهذا القلب بإعتبار انه رمز لحب يسوع نحو البشر هو ضرورة لذا قال بولس الرسول:"إن كان أحد لا يحب ربنا يسوع الـمسيح فليكن مُبسلاً"(1كورنثوس22:16). وهـي أيضاً إستجابـة لدعوة الحب التى يقدمهـا قلب يسوع الـمخلّص لنـا فهـو الذى أحبنـا دائـما:"لكن الله لكونـه غنيـّاً بالرحـمة ومن أجل كثـرة مـحبتـه التى أحبّنـا بهـا"(افسس4:2).
وبالتأمل فى حب يسوع لنا يضرم فى قلبنا لهيب الـمحبة نحوه ويجعلنا نهتف مع الرسول:"فمن يفصلنا عن محبة الـمسيح أشدة أم ضيق أم جوع أم عريّ أم خطر أم إضطهاد أم سيف فاني لواثق بأنه لاموت ولا حياة ولا ملائكة ولا رئاسات ولا قوات ولا أشياء حاضرة ولا مستقبلة ولا علو ولا عمق ولا خلق آخر يقدر ان يفصنا عن محبة الله التى هي فى الـمسيح يسوع ربنا"(رومية35:8-29).
إذن هي رياضة نتأمل فيها ونعرف بقدر إستطاعتنا من هو يسوع ومقدار حبــه لنــا و هي أيضا صلوات وإماتات وأعمال نقدمها تعويضا عن الإهانات.