عظة قداسة البابا فرنسيس خلال القداس الإلهي اليوم العالمي للشباب
بولونيا ” حرم الرحمة“
بعد قصر القامة وبعد الخجل الذي يشل، هناك عائق ثالث كان على زكا أن يتخطاه، ليس في داخله إنما من الخارج. الجمع المتذمر، الذي صدّه أوّلًا ومن ثم انتقده: يجب على يسوع ألّا يدخل بيته، بيت خاطئ! كم هو صعب استقبال يسوع حقا، كم هو صعب قبول "إله واسِعَ الرَّحمَة" (أف 2، 4). يقدرون أن يعيقوكم، محاولين أن يقنعوكم بأن الله بعيد، قاسٍ وغير حساس، صالح مع الصالحين وشرير مع الأشرار. ولكن أبانا "يُطلِعُ شَمْسَه على الأَشرارِ والأَخيار"(متى 5، 45) ويدعونا إلى أن نكون شجعان حقا: أن نكون أقوى من الشر فنحب الجميع، وحتى الأعداء. يمكنهم أن يسخروا منكم، لأنكم تؤمنون بقوة الرحمة الوديعة والمتواضعة. لا تخافوا، إنما فكروا في كلمات هذه الأيام: "طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون"(متى 5، 7). بإمكانهم اتهامكم بأنكم تحلمون، لأنكم تؤمنون بإنسانية جديدة لا تقبل بالكره بين الشعوب، ولا ترى حدود البلدان كحواجز وتحافظ على تقاليدها دون أنانية واستياء. لا تفقدوا العزيمة، بابتسامتكم وبذراعيكم المفتوحة أنتم تبشرون بالرجاء وتشكلون البركة للعائلة البشرية الواحدة، التي تمثلونها هنا بشكل رائع!
لقد دان الجمعُ زكا في ذاك اليوم، ونظر إليه نظرة تعالٍ؛ ولكن يسوع فعل العكس: "رَفَعَ طَرْفَه" (آية 5). إن نظرة يسوع تتخطى العيوب وترى الشخص؛ لا تتوقف عند أخطاء الماضي، إنما ترى مسبقا خير المستقبل؛ لا "تستقيل" إزاء الانغلاق، إنما تبحث عن سبيل للوحدة وللشركة؛ وفي وسط الجميع، لا تقف عند المظاهر إنما تنظر إلى القلب. يسوع ينظر إلى القلب، إلى قلبك، إلى قلبي. باستطاعتكم أنتم، بنظرة يسوع هذه، أن تبنوا إنسانية جديدة، دون أن تنتظروا من الآخرين كلمة "جيّد"، إنما باحثين عن الخير من أجل الخير، فرحين في الحفاظ على نقاوة قلوبكم وفي نضالكم المسالم من أجل الاستقامة والعدالة. لا تتوقفوا عند سطحية الأمور، ولا تثقوا في التبجيل الدنيوي للمظاهر، وفي التجميل الخارجي للروح بغية أن تبدوا أفضل. على العكس، حقق التصوال الأكثر استقرارا، تواصل قلب يرى الخير دون أن يتعب وينقله للآخرين. وهذا الفرح الذي نلتموه مجانا من الله، من فضلكم، اعطوه مجانا (را. متى 10، 8)، لأن الكثير ينتظرونه! ينتظرونه منكم.
لنصغ، نهاية، إلى كلمات يسوع لزكا، التي تبدوا وكأنها قيلت عن قصد اليوم لنا، لكل واحد منا: "انزِلْ على عَجَل، فيَجِبُ عَلَيَّ أَن أُقيمَ اليَومَ في بَيتِكَ" (آية 5). "انزِلْ على عَجَل، فيَجِبُ عَلَيَّ أَن أُقيمَ اليَومَ معك. إفتح لي باب قلبك". إن يسوع يوجه إليك الدعوة نفسها: "يَجِبُ عَلَيَّ أَن أُقيمَ اليَومَ في بَيتِكَ". يمكننا القول بأن اليوم العالمي للشبيبة يبدأ اليوم ويستمر غدا، في البيت، لأن يسوع يريد أن يلقاك هناك من الآن فصاعدا. فالرب لا يريد أن يبقى في هذه المدينة الجميلة فقط أو في الذكريات الغالية، إنما يرغب بالمجيء إلى بيتك، وبالسكن في حياتك اليومية: الدروس، وسنين العمل الأولى، والصداقات والمشاعر، المشاريع والأحلام. وكم يحلو له أن يتم تقديم كل هذا له خلال الصلاة! وكم يرجو بأن يحتل خط الصلاة الذهبيّ المكان الأول بين الاتصالات والدردشات اليومية! وكم يود أن تحمل كلمته معنا لكل يوم تعيشه، وأن يصبح إنجيله إنجيلك، وأن يكون هو "متصفّحك" في دروب الحياة!
إن يسوع، وفيما يسألك المجيء إلى بيتك، يدعوك باسمك. إن يسوع يدعونا جميعا باسمنا. كما فعل مع زكا. اسمك ثمين بالنسبة إليه. اسم زكا يعني، في لغة ذاك الزمن، ذاكرة الله. ثقوا بذاكرة الله: إن ذاكرته ليست "قرص صلب" يسجل معلوماتنا كلها، إن ذاكرته هي قلب تعاطف حنون، يفرح في إلغاء كل أثر للشر لدينا نهائيا. لنحاول نحن أيضا، الآن أن نقتدي بذاكرة الله الأمينة وأن نحافظ على الخير الذي نلناه خلال هذه لأيام. لنتذكر بصمت هذا اللقاء، ولنحافظ على ذكرى حضور الله وكلمته، وليحيي فينا صوت يسوع الذي يدعونا باسمنا. لنصل هكذا بصمت، مسترجعين الذكرى، وشاكرين الرب الذي أراد أن نكون هنا وأن يلقانا هنا.
كراكوف الأحد 31 تموز 2016
قرأنا لكم
مَديحُ مرْيَم
مُبارَكٌ من عَظَّمَ تذكارَ أُمِّهِ هُنا وفوق السماوات.
عجيبٌ أنتَ يا الله!
ربِّ، مُرْني بإيمانٍ فأُحِّثَ عنكَ!
أفتحُ فمي بالكلامِ على تَواضُعِكَ فاملأهُ أنتَ، ربِّ،من كُنُوزكَ!
أنا الأرضُ وأنتَ الحارِثُ فازرع صوتَكَ في صَوتِ عبدِكِ البَطَّال يا من زرعتَ نفسَكَ في البتُولِ الطاهِرة يا مَولُوداً بغيرِ زرعٍ،
طالعاً من الآب، مُشرِقاً من البتولِ التي أينَعَتْ ثمرَتُها بغيرِ أن تُزرع!
إنَّكَ شبيهٌ بأبيكَ، وشبِيهٌ بأمِّكَ، فِيمَ أنتَ شبيهٌ بِهِما؟
مار أفرام السُّريانيّ