• Home
  • رسائل الأحد
  • التوصيات
  • أخبار الرعية
  • مكتبة الصوَر
  • للأتصال

رسالة الاحد العدد 1154

  • Print
  • Email

 

الإرشاد الرسوليّ ”فرح الحبّ“ (4)

 

18. يذكّرنا الإنجيل أيضًا بأن الأولاد ليسوا ملكية للعائلة، بل أمامهم مسيرتهم الشخصيّة في الحياة. إن كان صحيحًا أنّ يسوع يظهر كمثال في الطاعة لأبوية الدنيويين، بخضوعه لهم (لو 2، 51)، فمن المؤكد أيضًا أنّه أظهر أن اختيار حياة الابن ودعوته المسيحية الخاصة، يتطلّبان انفصالا بهدف تحقيق تكرّسه لملكوت الله (متى 10، 34- 37؛ لو 9، 59- 62). علاوة على ذلك، هو نفسه، في سن الثانية عشرة، أجاب مريم ويوسف بأنّ لديه رسالة أسمى ينجزها تتخطّى عائلته التاريخيّة (لو 2، 48- 50). لذلك فهو يمتدح ضرورة وجود روابط أخرى أكثر عمقًا في العلاقات العائليّة: "إِنَّ أُمِّي وإخوَتي هُمُ الَّذينَ يَسمَعونَ كَلِمَةَ اللهِ ويَعملونَ بِها" (لو 8، 21). ومن ناحية أخرى، في الانتباه الّذي يَخصُّ به الأطفال -المعتبرين في منطقة الشرق الأدنى القديم كأفراد محرومين من حقوقهم الخاصّة أو كأنّهم جزءٌ من ممتلكات العائلة- يذهب يسوع إلى حدّ تقديمهم للكبار تقريبًا كمعلّمين، بسبب ثقتهم البسيطة والعفوية تجاه الآخرين، "الحَقَّ أَقولُ لَكم: إِن لم تَرجِعوا فتَصيروا مِثلَ الأَطفال، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّمَوات. فمَن وضَعَ نفسَه وصارَ مِثلَ هذا الطِّفل، فذاك هو الأَكبرُ في مَلَكوتِ السَّموات" (متى 18، 3- 4).

درب من المعاناة والدم

19. المؤلف الشعري الذي يقدّمه المزمور 128 لا ينفي واقعًا مريرًا يطبع الكتب المقدسة كافّة. إنه وجود الألم، والشرّ، والعنف الّذي يمزّق حياة العائلة وحميميّة الشركة في الحياة والحبّ. وليس مصادفةً أن يأتي كلام المسيح عن الزواج (متى 19، 3- 9) في إطار جدل حول الطلاق. إن كلام الله هو شهادة ثابتة لهذا البعد المظلم الذي يبرز في البدء عندما، من خلال الخطيئة، تتحوّل علاقة الحب والنقاء بين الرّجل والمرأة إلى سيطرة: "إلى زوجك تَنقادُ أشواقُكِ وهو يسودُ عليكِ" (تك 3، 16).

20. إن دربًا من المعاناة والدّم يجتاز صفحات كثيرة من الكتاب المقدس، بدءًا بعنف قايين الأخوي القاتل، ومن الصراعات المختلفة بين الأبناء، وبين زوجات الآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب، مرورًا بالمآسي التي تلطخ بالدم عائلة داود، وصولا إلى العديد من المشاكل العائليّة التي تعجُّ بها قصّة طوبيا، أو الاعتراف المفعم بالمرارة لأيوب المتروك

وحيدًا: "أبعَدَ إِخْواني عنِّي فاعتَزَلَتْني مَعارِفي قد صارَ نَفَسي خَبيثًا عِندَ امرَأَتي وأَمسَيتُ مُنتِنًا لأَبْناءِ أَحْشائي" (أي 19، 13. 17).

21. قد وُلِدَ يسوع نفسه في عائلة متواضعة، وسرعان ما أُجبر على الفرار إلى أرض أجنبية. دخل بيت بطرس حيث كانت حماته مريضة ( مر 1، 30- 31)؛ تأثّر بمأساة الموت في بيت يائيرُس وفي بيت لعازر (مر 5، 22- 24. 35- 43؛ يو 11، 1- 44)؛ وسمع صرخة أرملة نائين اليائسة أمام ابنها الميت (لو 7، 11- 15)؛ واستجاب لوالد الشخص المصاب بِداءِ الصّرع في قرية ريفيّة صغيرة (مر 9، 17- 27). إلتقى بعشّارين كمتّى وزكّا في بيوتهم (متى 9، 9- 13؛ لو 19، 1- 10)، كما التقى بخطأة، كالمرأة التي اقتحمت بيت الفرّيسي (لو7، 36- 50). إنه يعلم قلق العائلات وتوتّراتها ويضمِّنها في أمثاله: من الأولاد الذين يغادرون المنزل بحثا عن المغامرة (لو 15، 11- 32) وصولًا إلى الأبناء صعبي المراس ذوي التصرّفات غير المبرَّرة (متّى 21، 28- 31) أو ضحايا العنف (مر 12، 1- 9). كما أنّه يهتمّ بالعرس المعرّض للإحراج بسبب نقص النبيذ (يو 2، 1- 10) أو إلى تقاعس المدعوّين (متى 22، 1- 10)، كما أنّه يعرف الكابوس الذي يسببه فقدان قطعة نقود في عائلة فقيرة (لو 15، 8- 10).

22. نجد في هذه اللمحة القصيرة أن كلمة الله لا تبدو كسلسلة فَرَضيّاتٍ مجردة، إنما أيضًا كرفيقة سفر للعائلات التي تَمُرّ بأزمة أو التي تجتاز بعض المعاناة، وتبيّن لها هدف المسيرة، عندما سيَمسَحُ الله "كُلَّ دَمعَةٍ مِن عُيونِهم. ولِلمَوتِ لن يَبْقى وُجودٌ بَعدَ الآن، ولا لِلحُزنِ ولا لِلصُّراخِ ولا لِلأَلَمِ" (رؤ 21، 4).

تعب يديك

23. في متسهلّ المزمور 128، يتم تقديم الآب كأنّه عامل يستطيع، من خلال عمل يديه، أن يضمن رفاهية عائلته الجسدية وطمأنينتها: "إِنَّكَ تأكُلُ مِن تَعَبِ يَدَيكَ فالطّوبى والخَيرُ لَكَ" (آية 2). وكون العمل جزءًا أساسيّا من كرامة الحياة البشريّة، هو أمر نستنتجه من أولى صفحات الكتاب المقدّس، حين يؤكّد: "وأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ الإنسانَ وجَعَلَه في جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَفلَحَها ويَحرُسَها" (تك 2، 15). إنها صورة العامل الذي يحوّل المادّة ويستغلّ طاقات الخلق منتجًا "خبز التعب" (مز 127، 2) إضافة إلى تنمية ذاته.

24. في الوقت عينه، العمل يجعل ممكنًا تطوّر المجتمع، والعناية بالعائلة، واستقرارها، وخصبها: "لِيُبارِكْكَ الرَّبّ مِن صِهْيون فتَرى أُورَشَليمَ وتَنعَمُ بِالخَيرات جَميعَ أَيَّامِ حَياتِكَ وترى بَني أَبْنَائِكَ!" (مز 128، 5- 6). يقدّم لنا سفر الأمثال أيضًا مهام الأم في العائلة، حيث يتم وصف عملها في أدق تفاصيله اليوميّة، مما يدفع الزوجَ والأبناءَ إلى مديحها

(31، 10- 31). ويتفاخر بولس الرسول نفسُّه بكونه قد عاش دون أن يكون عبئًا على الآخرين، لأنّه عمل بيديه كي يؤمّن، بهذا الشكل، رزقه (رسل 18، 3؛ 1 قور 4، 12؛ 9، 12). كان مقتنعًا كلِّيًّا بضرورة العمل، فوضع قواعد صارمة لجماعاته: "إِذا كان أَحدٌ لا يُريدُ أَن يَعمَل فلا يَأكُل" (2 تس 3، 10؛1 تس 4، 11).

25. بقولنا هذا، يُفهم أنّ البطالة وانعدام الاستقرار الوظيفي يمثلان معاناةً، كما قد ورد في سفر راعوت الصغير، وكما يذكّر به يسوع في مثل العَمَلَة الذين كانوا جالسين، وهم في بطالة قسرية، في ساحة البلدة (متى 20، 1- 16)، أو كما قد اختبر واقعيًّا حين كان محاطًا، في الكثير من الأحيان، بأشخاص محتاجين وجائعين. وهذا ما يعيشه المجتمع حاليًّا بطريقة مأساويّة في بلدانٍ عديدة، فيضرب هذا النقص في العمل صفاءَ العائلات بأشكال مختلفة.

يتبع

Copyright © Designed by Shukrallah Assaf 2026 All rights reserved. Custom Design by Youjoomla.com
YJSimpleGrid Joomla! Templates Framework official website
رسائل الأحد