• Home
  • رسائل الأحد
  • التوصيات
  • أخبار الرعية
  • مكتبة الصوَر
  • للأتصال

رسالة الاحد العدد 1155

  • Print
  • Email

 

اليوم يوم الميلاد، يوم انحناء السماء على الأرض، يوم الأمومة والحنان بامتياز، يوم افتقاد الله لشعبه. ولكن الإنسان، تحت وطأة مشاكل وهموم الحياة اليوميَّة يكاد ينسى حضور الله في حياته. وأمام اوامر وظلم السلطة الدنيويَّة التي لا ترى سوى ما يناسبها؛ ليس فقط على حساب حياة الإنسان، إنما أيضاً على حساب ما يريده الله من الإنسان، يرى الانسان نفسه أمام مفترق طرق احلاهما مر، وعليه الاختيار.

أليس هذا ما عاشه يوسف النجار في ذلك الزمان؟

أليس هذا ما تعرَّضت له مريم وهي حامل؟

أليس هذا ما عاشتهُ عائلة يسوع قبل وبعد ولادته؟

إنها عائلة متواضعة بسيطة، تريد تحقيق إرادة الله في حياتها؛ ولكن تأتي إرادة الدنيا لتعاكسها، ولتزيد عليها المشاكلَ والهموم. فما إن قرر يوسف أن يأخذ مريم إمرأةً لهُ وهي حامل حتى جاء القرار الإمبراطوريَّ بإحصاء المعمورة، ما سيزيد العبء على كاهل هذه العائلة الناشئة ويعرِّضها إلى الكثير من المتاعب والصعوبات.

إنها حالة كل عائلة من عائلاتنا أمام صعوبات الحياة ومشاكلها، كيف تتصرَّف؟

إنها أمام مفترق طريق، إمَّا أن تنغمس في هموم الحياة وتحاول مواجهتها منفردة كالغني الجاهل الذي استغنى عن حضور الله في حياته. وإما من خلال إستشراق إرادة الله وقبول المصاعب والمشاكل على أنها طريق يجب أن نحوِّلها إلى لقاء مع الله.

فأُغسطوس قيصر الذي إعتبر نفسَهُ أعظم الآلهة وبسط حكمه على جميع أراضي الإمبراطوريَّة وما عليها، استعبد الشعب واستنفده، فبدل أن يهتَمّ بمشاكل شعبه، إهتمَّ كيف يؤمِّن لنفسهِ حياةً مرفَّهةً تليق بإله وقد سنّ كل القوانين التي تُؤمِّن له الضرائب والمداخيل الخياليَّة لتحقيق أهدافه، وكأنه بالمال يستطيع تحقيق الألوهيَّة.

أما الطريق الآخر فقد اختاره يوسف ومريم بالطاعة لأوامر الملك وتحمل عناء الإنتقال من الناصرة في الجليل، إلى مدينة بيت لحم في اليهوديَّة، وقبول مَشَقَّات السفر وما ينتج عنه من خسارة ماديَّة ومعنويَّة. فيوسف بحاجة إلى إقفال مصدر رزقه لفترة غير معروفة،

بالإضافة إلى أنَّ رفيقته إمرأة حامل توشِك على الولادة. أمام هذا الطريق المجهول غير  

المضمون النتائج لم يخف يوسف ولم يتردَّد إنما رأى في إرادة الحاكم تحقيقًا لإرادة الله.

فحسم أمره وانطلق غير متردِّد واضعًا ثقته بذاك الذي قال له : "لا تَخَف يا يوسف" (متى 20:1). لم يكن يعلم يوسف أنه يحقِّق إرادة الله ولكنه كان يؤمن أنَّ الله لا يُخَيِّب المُتَّكلين عليه. فأعطانا بجرأته وقوة إيمانه أمثولة لا تنسى، تدعونا كي نعيش الحياة الحاضرة ونحمل كل متاعبها بإيمان وثقة فنحقِّق من خلالها إرادة الله ونتجاوب مع دعوته لنا.

لقد تنعَّم أغسطوس بمال الفقراء ومباهج الدنيا والسلطة التي ورثها عن أبيه وحاول أن يعتبرها ملكًا له ويفرضها بحسب هواه على الآخرين. فكم من عائلة تيتَّمت بسببه؟ وكم من أب فقد مستقبله، وأم خسرت عائلتها أو مجتمع عاش الظلم والإستعباد إرضاءً لكبرياء الحاكم. وأين انتهى هذا الحاكم؟

أما اليوم، ألا يتكرَّر أغسطوس ذاته بأوجه وظروف مختلفة؟

فكم وكم من المرات أكون أنا ذاتي أغسطوس أرفض وجود الله وأعتبِرُ نفسي مسلّطًا على ذاتي وعلى الآخرين، أنغلق بأنانيَّتي وتكبُّري وأصمُّ أُذُنيَّا عن سماع نداء الرَّب؟

أما يوسف الذي تواضع أمام كلمة الرب علمًا أنه من سلالة داود وهو صاحب السلطة في تسمية إبن الله حيث قال له الملاك: "ستلد لك إبناً تسميه يسوع" (متى 21:1). لم يحسب ذاته قيصرًا أو امبراطورًا إنما حَسب ذاته خادمًا وصعد مع خطيبته وهي حبلى إلى بيت لحم، كما يخبرنا القديس لوقا. وأكثر من ذلك لم يجد له مكانًا يأويه، ولم يستقبله أحد. ولما حانت ساعة ولادة مريم لجأ إلى مغارة الحيوانات واتَّخذ لإبن الله المولود ألمذود عرشًا فاستطاع بطاعته أن يحوِّل ما يعتبره الناس قهرًا وظلمًا إلى حالة رضى يكمل فيها إرادة الله.

لقد اعتبر أغسطوس أنه بإحصاء المعمورة يستطيع أن يحصِّل ضرائب أكثر؛ أما يوسف فاستطاع بتنفيذ أوامر أغسطوس أن يحقِّق النبوات، فالمخلِّص يولد في بيت لحم كما قال النبي ميخا. وللمقارنة، إن أموال الضرائب لم تعطِ سلامًا لأغسطوس وما استطاع أن يحتفظ بحكمه إلى الأبد، ويفرض ذاته إلهًا إنما مات كسائر البشر.

لكن يوسف بطاعته استطاع أن يحمي ابن الله ويحقِّق وعد الله لداود أبيه: ”أن من سلالته يأتي المخلص وملكه يبقى إلى الأبد“. فمن هنا نفهم كيف أن الإنجيل لم يذكر أبدًا موت يوسف ما يؤكِّد أنه إنتقل إلى فرح أبدي لا يساويه فرح ولا يضاهيه سلام.

 

يا طفل المغارة، يا من جئت تولد في ضمير ووجدان كل واحد منّا، أهّلنا أن نسلك الطريق الصحيح: نتشبّه بصفيك يوسف ونقبل مفاجآت الحياة بروح الوداعة والصمت، ونتشبّه بأمك مريم فنتأمل كل الاحداث ونحفظها واضعين ذاتنا بتصرّفك، ونتشبّه بالمجوس فننشد الحقيقة التي توصلنا إليك، ونتشبّه بالرعاة الودعاء فنحمل بشارتك الى العالم أجمع. آمين

                                                                                                 الخوري بيار صعب

 

 

Copyright © Designed by Shukrallah Assaf 2026 All rights reserved. Custom Design by Youjoomla.com
YJSimpleGrid Joomla! Templates Framework official website
رسائل الأحد