• Home
  • رسائل الأحد
  • التوصيات
  • أخبار الرعية
  • مكتبة الصوَر
  • للأتصال

رسالة الاحد العدد 1158

  • Print
  • Email

 

الإرشاد الرسوليّ ”فرح الحبّ“ (6)

 

 

33.   من ناحية أخرى، "يجب علينا أيضًا أن نأخذ بعين الاعتبار الخطر المتزايد الذي تشكّله النزعة الفردية المبالغ فيها والتي تشوّه الروابط الأسرية، وتنتهي باعتبار كلّ فرد من أفراد الأسرة "كجزيرة"، مُعطيةً الأولوية، في بعض الحالات، إلى فكرة الفرد الذي يبني ذاته وِفقًا لرغباته التي تُعتَبَر مُطلَقَة". "إن التوترات الناجمة عن الثقافة الساخطة للاستحواذ والاستمتاع الفردانية، تُوَلّدُ داخل الأسر ديناميات عدم التسامح والعدوان". وأود أن أضيف إيقاع الحياة الحديثة، والتوتر، والتنظيم الاجتماعي والمرتبط بالعمل، لأنها العوامل الثقافية التي تعرّض للخطر إمكانية القيام بخيارات ثابتة. في الوقت عينه، نجد أنفسنا أمام ظواهر مبهمة. على سبيل المثال، يمكننا أن نقدر التصرفات الشخصية التي ترمي إلى الأصالة عوضًا عن تلك التي تتبع سلوكيات مُحدّدة سابقًا. إنها قيمة بإمكانها أن تساهم في تعزيز المهارات المختلفة والعفوية، ولكن، إن تم توجيهها بطريقة خاطئة، فقد تخلق مواقف مستمرة من انعدام الثقة، والهروب من الالتزامات، والانغلاق في رغد العيش، والغطرسة. إن حرية الاختيار تسمح للمرء بتصميم حياته وتنمية الأفضل في الذات، لكن، إن غابت لديها الأهداف النبيلة والانضباط الشخصي، فهي تتحول إلى عدم قدرة على هبة الذات بسخاء. في الواقع، في العديد من البلدان، التي يتناقص فيها عدد الزيجات، يتزايد بها عدد الأشخاص الذين يقرّرون العيش بمفردهم، أو الذين يتعايشون دون أن يتساكنوا معًا. ويمكننا أيضًا إبراز حسّ العدالة الجدير بالإطراء؛ إنما، إذا أُسيءَ فهمه، فإنه يحوّل المواطنين إلى مجرد عملاء يطالبون بتوفير خدمات وحسب.

34.   إذا أفضت هذه المخاطر إلى التأثير في مفهومنا للأسرة، فقد تتحوّل هذه الأخيرة إلى محطّة عابرة، نتوجه إليها حين يبدو الأمر مناسبا لنا، أو إلى مكان نذهب إليه للمطالبة بحقوقنا، في حين أن العلاقات تبقى رهنَ هشاشةِ تَقَلّبِ الرغبات والظروف. في الحقيقة، إنه لمن السهل اليوم الخلط بين الحرية الحقيقية والفكرة التي بها يحلم المرء كما يحلو له، كما لو لم يكن ما وراء الأفراد حقائق وقيم ومبادئ توجهنا، كما لو كان كل شيء سيان، وأن كل شيء مباح. في هذا السياق، النموذج الزواجي، القائم على الالتزام والحصرية والاستقرار، يتحطم تحت وطأة المجاملات الظرفية وأهواء المشاعر العابرة. هناك أيضًا الخوف من الوحدة، والرغبة في بيئة أمان وإخلاص، ولكن، في نفس الوقت، يتزايد الخوف من الوقوع في أَسر علاقة قد تتسبب في تأجيل التطلعات الشخصية.

35.كمسيحيين لا يمكننا التخلي عن التمسك بالزواج، كي لا نتعارض مع الحساسية الحالية، ومن أجل اتباع الموضة السائدة، أو بسبب الشعور بعقدة النقص إزاء التدهور الأخلاقي والإنساني. لأننا إن فعلنا هذا فسوف نحرم العالم من القيم التي يمكننا، بل ويجب علينا، أن نقدمها. بطبيعة الحال، إنه من غير المنطقي أن نكتفي بفضح الشرور الحالية من خلال الخطابات البليغة، كما لو كان باستطاعتنا أن نغير شيء ما بهذه الطريقة. كما أنه من غير المجدي فرض قواعد بقوّة السلطة. ينبغي علينا القيام بجهد أكثر مسؤولية وسخاء، والذي يَكمُنُ في تقديم الأسباب والدوافع لاختيار الزواج والأسرة، بطريقة تجعل الناس أكثر استعدادًا للإجابة على النعمة التي يمنحها الله لهم.

36.   وفي الوقت عينه يجب علينا أن نكون متواضعين وواقعيين، فنعترف أن طريقتنا في تقديم القناعات المسيحية وفي معاملة الناس، قد ساهمت أحيانًا في خلق ما نشكو منه اليوم. ولذا فإننا بحاجة إلى ردّة فعل "صحيّة" من النقد الذاتي. من جهة أخرى، غالبًا ما قدّمنا الزواج بطريقة تحجب غايته الوحدوية، والدعوة إلى النمو في الحبّ وهدف المساندة المتبادلة، مُصرّين بشكل حصري تقريبًا على واجب الإنجاب. كما أننا لم نقم بمرافقة الأزواج الجدد، في سنواتهم الأولى، باقتراحات تتناسب مع أوقاتهم، ولغاتهم، واهتماماتهم الفعليّة. وعرضنا، أحيانًا أخرى، نموذجًا لاهوتيّا للزواج بطريقة تجريديّة للغاية، وتقريبًا شبه مصطنعة، بعيدة عن واقع العائلات الحقيقي وعن إمكانيات العائلة الفعلية، كما هي في الواقع. هذه المثاليّة المبالغة بها، وخاصة عندما لم نوقظ الثقة في النعمة، لم تجعل الزواج مرغوبًا به أو جذّابا أكثر، بل على العكس.

37. واعتقدنا لوقت طويل أنه بتركيزنا على المسائل العقائديّة، والاخلاقيّة والخلقية، بدون تحفيز الانفتاح على النعمة، فإننا قد ساندنا فعلا العائلات بشكل كاف، وثبّتنا الرباط بين الزوجين وأعطينا معنى لحياتهما المشتركة. لدينا صعوبة في تقديم الزواج كمسيرة نمو وتحقيق ذات ديناميكيّة، أكثر منه كعبءٍ يجب تحمّله طوال الحياة. كما يصعب علينا أيضًا إعطاء المجال لضمير المؤمنين، والذين يبذلون قصارى جهدهم، في الكثير من الأحيان، ليتجابوا مع الانجيل في حدود المُستطاع، ويستطيعون أن يتقدّموا للأمام عبر تمييزهم الشخصيّ حيال الأوضاع غير المألوفة. إننا مدعوون إلى تكوين الضمائر لا الادعاء بالحلّ مكانها.

38.   علينا أن نكون شاكرين لواقع أن القسم الأكبر من الناس يقدّر العلاقات العائلية التي تتوق للاستمرار في الزمن والتي تؤمّن احترام الآخر. لذا فهناك تقدير لكون الكنيسة تفسح مجالًا للمرافقة والمساعدة في الأسئلة المتعلّقة بنموّ الحبّ، وبتَخطّي المشاكل أو بتربية الأبناء. كثيرون يقدّرون قوّة النعمة التي يختبرونها في سرّي المصالحة والإفخارستيا، والتي تسمح لهم بتحمل تحدّيات الزواج والعائلة. لم تنجح العلمانيّة، في بعض البلدان، خاصة في مناطق مختلفة من أفريقيا، في إضعاف بعض القيم التقليدية، وينتج عن كلّ زواج اتحاد قوي بين عائلتين موسعتين، حيث ما زال قائمًا نظامٌ محدّدٌ لحل المشاكل والصعوبات. في عالمنا المعاصر، يُقَدَّرُ أيضًا شهادة الزيجات التي لم تدم في الزمن وحسب، بل تستمر أيضًا في دعم مشروع مشترك وتحافظ على الحب. هذا يفتح الباب لرعائية إيجابية، ومضيافة، تمنح إمكانية التعمق التدريجي في متطلبات الإنجيل. غير أننا غالبًا ما تصرفنا بطريقة دفاعيّة، مهدرين الطاقات الرعائية، مكثرين من التهجم على العالم المتدهور، مع تقصير في توظيف القدرة الديناميكية للإرشاد لدروب السعادة. ويرى الكثيرون أن تعليم الكنيسة حول الزواج والعائلة لا يعكس بوضوح بشارة يسوع ومواقفه، الذي بتقديمة نموذجًا متطلّبا لم يتخلَّ أبدًا، في الوقت عينه، عن قُرب شغوف تجاه الأشخاص الضعفاء كالسامرية والمرأة الزانية.                 يتبع

 

Copyright © Designed by Shukrallah Assaf 2026 All rights reserved. Custom Design by Youjoomla.com
YJSimpleGrid Joomla! Templates Framework official website
رسائل الأحد