الإرشاد الرسوليّ ”فرح الحبّ“ (9)
48. "العدد الأكبر من العائلات يحترم الأشخاص المسنِّين، ويحيطهم بالعاطفة ويرى فيهم مصدرًا للبركة. ومن الواجب تقديم شهادة عرفان وتقدير خاص للجمعيات والحركات العائلية التي تعتنى بالمسنين على الصعيدين الروحي والاجتماعي. في المجتمعات الصناعية المتقدمة، حيث يميل عدد الأشخاص المسنِّين الى الزيادة مقابل التراجع في عدد الولادات، يوجد خطر النظر إليهم كعبءٍ. من جهة أخرى، العناية التي غالبًا ما يحتاجون إليها تُدخِل المقرَّبين منهم في محنة". "إن إعطاء قيمة لمرحلة الحياة الأخيرة قد أصبح ضرورة قصوى في أيامنا هذه حيث يحاول الجميع، بكل الوسائل، تجاهل لحظة الموت. ويتم أحيانًا استغلال ضعف الأشخاص المسنِّين وعدم استقلاليتهم بإجحاف ولأسباب اقتصادية بحتة. إن الكثير من العائلات تعلمنا أنه من الممكن مواجهة مراحل الحياة الأخيرة من خلال إظهار معنى اكتمال الوجود، وإدماج هذا الوجود بأسره في السرِّ الفصحي. عدد كبير من الأشخاص المسنِّين يُستقبلون في بنى كنسيَّة، حيث يمكنهم العيش في جو هادئ وعائلي، على الصعيدين المادي والروحي. "الموت الرحيم" و"الانتحار المُساعَد" يشكلان تهديدين خطيرين لكل العائلات في العالم بأسره. وقد اكتسبت ممارستهما شرعيتها القانونية في دول كثيرة. أما الكنيسة، إذ تشجب بصرامة هذه الممارسات، تشعر بواجب مساعدة العائلات التي تعتني بأفرادها المسنَّين والمرضى".
49. أريدُ أن أسلّط الضوء على وضع العائلات التي يسحقها البؤس، والمتضررة بأشكالٍ شتَّى، حيث يتم عيش "متطلبات الحياة" بطريقة مؤلمة للغاية. فعندما يواجه الجميع صعوبات، فإن تلك الصعوبات في البيت المدقع فقرًا تصبح أكثر قساوة. على سبيل المثال، إذا كان على امرأة أن تربّي ابنها بمفردها، بسبب الانفصال أو لأسباب أخرى، وعليها أن تعمل، وليس لديها إمكانيَّة تركه لدى شخصٍ آخر، فإن هذا الابن ينمو في إهمال يعرِّضه لكل أنواع الخطر، ويبقى نضجه الشخصيّ على المحك. في الأوضاع الصعبة التي يعيشها الأشخاص الأكثر عوزًا، على الكنيسة أن تقدم عناية خاصة كي تفهم، وتعزِّي، وتضمّ، متجنِّبةً أن تفرض عليهم سلسلة من القوانين، كما لو كانوا حجارة، فتجعلهم بهذا يشعرون أنّه محكوم عليهم ومتروكون من قِبَلِ تلك الأمّ المدعوّة بالتحديد إلى حمل رحمة الله إليهم. وبالتالي، بدل تقديم قوّة النعمة الشافية ونور الإنجيل، يريد البعض "تلقين" الإنجيل، محوِّلين إيَّاه إلى "حجارة ميتة معدّة ليرمي بها الآخرون“.
بعض التحديات
50. إن الأجوبة التي وردت نتيجة الاستشارات التي تمت خلال مسيرة السينودس، قد ذكَرَت الحالات الأكثر تباينا التي تشكّل تحدِّياتٍ جديدة. عدا تلك المذكورة، أشار العديد منهم إلى المهمَّة التربويّة، التي تواجه صعوبات، لأنّ الأهل، من بين أمور أخرى، يعودون إلى البيت متعبين ولا رغبة لديهم في الكلام؛ وقد اندثرت في العديد من العائلات عادة أن يأكلوا معًا؛ هناك أيضًا تشكيلة واسعة من عروض التسلية التي تتزايد، عدا التعلُّق المفرط بشاشة التلفزيون. كل هذا يجعل نقل الإيمان من الوالدين إلى الأولاد أمرًا صعبًا. وأشار البعض الآخر إلى أنّ العائلات غالبًا ما تكون مصابة بقلق هائل. وكأنّهم أكثر انشغالًا بكيفية استباق المشاكل المستقبليّة من مشاركة الحاضر. إن هذا، وهو مسألة ثقافيّة، يزداد خطورة بسبب المستقبل المهنيّ غير الأكيد، وعدم الاستقرار الاقتصاديّ، أو الخوف على مستقبل الأولاد.
51. تمت الإشارة أيضًا إلى الإدمان على المخدِّرات كجرح من جروح عصرنا التي تؤلم العائلات للغاية، وينتهي به المطاف إلى هدمها. وهذا ما يحدث مع إدمان الكحول، والقمار، والإدمانات الأخرى. يمكن للعائلة أن تكون مكان الوقاية والحماية السليمة، لكن المجتمع والسياسة لم يتوصلا إلى إدراك أنّ العائلة عندما تكون في خطر فهي "تفقد إمكانيّة التفاعل لمساعدة أعضائها. إننا نرى عواقب هذا الانفصال الوخيمة: في العائلات المدّمرة، والأبناء المقتلعين من جذورهم، والمسنُّين المهملين، والأولاد اليتامى بينما أهلهم لا يزالون على قيد الحياة، والمراهقين والشباب التائهين وبدون مبادئ". وهناك حالات محزنة من العنف الأُسَريّ التي تمثل تربة خصبةً لأشكالٍ جديدة من العدوانيّة الاجتماعيّة، كما أشار أساقفة المكسيك، لأنّ "العلاقات العائليّة تفسّر أيضًا الميل نحو شخصيّة عنيفة. والعائلات التي تدفع في هذا الاتجاه، هي تلك التي ينقصها التواصل؛ والتي يسودها مواقف دفاعيّة، ولا يساعد أفرادها بعضهم البعض؛ والتي لا يوجد فيها نشاطات عائليّة تعزز المشاركة؛ وحيث علاقات الوالدين فيما بينهما هي غالبًا صراعيّة وعنفيَّة، والعلاقات بين الوالدين والأبناء تتميّز بمواقف عدوانية. العنف العائلي هو مدرسة للاستياء والكراهية في العلاقات الإنسانيّة الأساسيّة".
52. لا يمكن لأحد أن يفكِّر بأن إضعاف العائلة، كمجتمع طبيعيّ قائم على الزواج، هو أمر يعود بالفائدة على المجتمع. بل يحدث العكس: يُضرّ بنضج الأشخاص، وبثقافة القيم الجماعيّة وبالتقدم الأخلاقي للمدن والقرى. لم يعد هناك إدراك واضح بأن وحده الاتّحاد الحصري بين رجل وامرأة، وغير القابل للانحلال، يؤدي وظيفة اجتماعية كاملة، بصفته التزامًا ثابتًا، منفتحا على الخصوبة. علينا أن نعترف بالتنوع الكبير في الحالات العائلية التي تستطيع أن توفّر نهج حامية ما للحياة، ولكنّ اتحادات الأمر الواقع، أو الاتحاد بين أشخاص من الجنس عينه، مثلًا، لا يمكن مقارنتها بكل بساطة مع الزواج. وما من اتّحاد محفوف بالمخاطر أو منغلق على نقل الحياة، يمكنه أن يضمن لنا مستقبل المجتمع. لكن مَنْ يهتم اليوم بدعم الأزواج، وبمساعدتهم على تخطِّي المخاطر التي تهدِّدهم، وبمرافقتهم في دورهم التربويّ، وبِالحَثّ على استقرار الاتّحاد الزوجيّ؟
يتبع
قرأنا لكم
صلاة لمار مارون
أيّها الرب الإله، يا مَن دعوتَ صفيَّك مار مارون إلى السيرة النسكيّة، وكمّلته بالفضائل الإلهيّة، وأرشدته في الطريق الصعب إلى الملكوت السماويّ، نسألك بشفاعته أن تغمرنا بمحبّتك لكي نسلُكَ في سُبُلِكَ، ونرعى وصاياك، ونسيرَ على خُطى أبينا القديس مارون، فتَنبُضَ سيرتُه المقدَّسة في أرجاء حياتنا، ونَبْلُغَ من حُبِّكَ الغاية التي بَلَغ، ونحملَ إنجيلك في هذا المشرق وفي العالم كلّه، ونهتديَ به إلى مجد القيامة والحياة الدائمة فيك. لك المجدُ والشكرُ وإلى أبيك المبارك وروحك الحيّ القدّوس الى الأبد.
status of the week
يرغب الله في أن يعتبر جميع البشر أنفسهم إخوة ويعيشوا على هذا النحو، مؤسِّسين العائلة البشرية الكبيرة في تناغم التنوّع. البابا فرنسيس