الإرشاد الرسوليّ ”فرح الحبّ“ (38)
214. أحيانًا لا يدرك المخطوبان الوزن اللاهوتي والروحي للرضى الزواجي، والذي يضيء معنى كل الأفعال اللاحقة. لذلك فمن الضروري توضيح أن هذه الكلمات لا تقتصر فقط على الزمن الحاضر؛ إنما تنطوي على مجمل ما سيتضمنه المستقبل: "حتى يفرقهم الموت". يدل معنى الرضى على أن "الحريّة والأمانة لا تتعارضان مع بعضهما البعض، لا بل تتعاضدان بشكل متبادل، سواء في العلاقات الشخصيّة المتبادلة أو الاجتماعيّة. في الواقع، لنفكّر في الأذى الذي يسبّبه، في حضارة التواصل العولمي، المبالغة في تقديم الوعود التي لم تُحتَرَم . إنّ الوفاء بالوعد والأمانة له لا يمكن شراؤهما أو بيعهما. كما ولا يمكن أن يُفرضا بالقوة ولا أن يُحفظا بدون تضحية".
215. لقد لاحظ أساقفة كينيا أن "الزوجين، من فرط تركيزهما على يوم الزفاف، ينسيان أنهما يستعدان لالتزام سيستمر مدى الحياة". يجب أن نساعد الناس على فهم أن السر المقدس ليس مجرد لحظة ستصبح جزءًا من الماضي والذكريات، بل أنه سيُمارِس تأثيره على الحياة الزوجية بأسرها وبشكل دائم. وسيصبح المعنى التناسلي للحياة الجنسية، ولغة الجسد وايماءات الحب التي تُعاش في قصة حب الزواج، "استمرارية غير منقطعة للغة الليتورجيا" و"ستصبح الحياة الزوجية نفسها، بمعنى ما، ليتورجية".
216. يمكن أيضًا التأمل انطلاقًا من قراءات الكتاب المقدس، وإثراء فهم معنى الخواتم التي يتبادلها الشريكان، أو غيرها من العلامات التي تمثل جزءًا من الطقوس. بيد أنه لن يكون جيّدًا أن يصلا إلى الزفاف دون أن يصليّا معًا، الواحد من أجل الآخر، طالبين من الله أن يساعدهما في أن يكونا أمينين وسخيين؛ وطالبين معًا من الله أن يفهما ما يتوقعه منهما؛ وكذلك من خلال تكريس حبهما أمام تمثال مريم العذراء. على أولئك الذين يرافقونهما في التحضير للزواج أن يوجهوهما حتى يفهما ويعيشا أوقات الصلاة هذه التي ستساعدهما كثيرًا. "إن ليتورجيا الزواج هي حدث فريد، يُعاش في السياق العائلي والاجتماعي كعيد. وأول آية قام بها يسوع كانت في احتفال عرس في قانا: حيث الخمر الجيّدة لمعجزة الرب، والتي تغمر بالفرح ميلاد عائلة جديدة، هي الخمر الجديدة للعهد الذي يقطعه المسيح مع كل رجل وامرأة في كل زمان ومكان. من المألوف أن يجد [الخادم] المُحتَفِل بالزواج أمامه جماعةً مكوّنةً من أناس قلَّما يشاركون في الحياة الكنسيَّة أو أشخاص ينتمون الى طوائف مسيحية أو جماعات دينية أخرى. وهذه فرصة سانحة لإعلان إنجيل المسيح".
المرافقة في السنوات الأولى من الحياة الزوجية
217. علينا الاعتراف بأن هناك قيمة كبيرة عندما نفهم أن الزواج هو مسألة حب، ويمكن فقط لأولئك الذين يختارون بعضهم بعضًا بحرية وعن حب ان يتزوجوا. ومع ذلك، عندما يصبح الحب مجرد انجذاب جسدي أو عاطفة مبهمة فإن الزوجين سيعانيان من هشاشة غير عادية عندما تمر العاطفة بأزمة أو عندما يتضاءل الانجذاب الجسدي. وبما أن تلك الالتباسات تحدث بكثرة، فمن الضروري إذًا مرافقة الزوجين خلال السنوات الأولى من حياتهما الزوجية لإثراء وتعميق القرار الواعي والحر بالانتماء وبحب بعضهما البعض حتى النهاية. في كثير من الأحيان تكون فترة الخطبة غير كافية، ويتم إقرار الزواج بعجلة لأسباب مختلفة، بالإضافة إلى تأخر النضوج لدى الشباب. وعليه، يجد العروسان أنفسهما في مواجهة واجب استكمال تلك المسيرة التي كان يجب عليهما إنجازها خلال فترة الخطبة.
218. من جهة أخرى، أودّ الإصرار على أن أحد التحديات الرعوية المرتبطة بالأسرة هي المساعدة على اكتشاف أن الزواج لا يمكن أن يفهم على أنه شيء قد تمَّ وانتهى. فالاتحاد هو واقع، لا يمكن العودة عنه، وقد تم تأكيده وتكريسه بواسطة سر الزواج. فباتحادهما يصبح الزوجان بطلي المشهد، وسيدي تاريخهما، وصانعي مشروع يجب أن يحققاه معًا. ينبغي أن يتوجه النظر نحو المستقبل الذي يجب أن يبنياه معًا يومًا بعد يوم بنعمة من الله، ولهذا السبب بالذات لا يُطالب الشريك أن يكون كاملا. ويجب أن يضعا جانبًا الأوهام ويقبلا أحدهما الآخر كما هو: غير كامل، مدعو للنمو، في حالة تطور. فعندما يُنظر الى الشريك الآخر بنظرة انتقاد دائمة، فإن هذا يدل على أن الزواج لا يُعاش كمشروع يتم بناؤه سويًّا، بصبر وبتفاهم وبتسامح وبسخاء. يقود هذا إلى استبدال الحب تدريجيًا بنظرة ملؤها الريبة والعناد؛ وبمراقبة مزايا وحقوق كل واحد؛ وبالمطالبات، وبالمنافسة؛ وبالدفاع عن النفس. هكذا يصبح الزوجان غير قادرين على دعم بعضهما البعض ليصل كل منهما إلى النضوج، وإلى تنمية اتحادهما. إن كل ما ورد يجب أن يبيِّن للزوجين الشابين، وبكل وضوح وبطريقة واقعية منذ البداية، بحيث يصبحان على بيِّنة من الواقع الذي هما بصدد الشروع به. إن الـ "نعم" التي تبادلاها هي بداية الرحلة، هدفها أن يضعا نصب أعينهما القدرة على تخطي الظروف أو العقبات التي تعترضهما. والبركة التي قد نالاها هي نعمة، وحافز لهذه المسيرة المنفتحة دائمًا. من المفيد عادة، أن يجلسا للحوار معًا حول إعداد مشروعهما الحقيقي، في أهدافه، وأدواته، وتفاصيله.
يتبع