الإرشاد الرسوليّ ”فرح الحبّ“ (42)
تحدي الازمات
232. أزماتٌ من كل نوع تعصف بحياة العائلة، أزمات تؤلف أيضًا جزءًا من جمالها المثير. ينبغي المساعدة على اكتشاف أن الأزمة التي تم تخطيها لا تقلل من قوة العلاقة، إنما تُحسن وتَثبت وتُنضج خمر الاتحاد. فالزوجان لا يتعايشان معًا ليكونا أقل سعادة، إنما ليكونا سعيدين بطريقة جديدة، بدءًا من الاحتمالات التي فتحتها مرحلة جديدة. فكل أزمة تنطوي في ذاتها على تعليم بإمكانه أن يزيد من قوة الحياة المشتركة أو يساعد على إيجاد معنى جديد للتجربة الزوجية. بأي حال، لا يجب الاستسلام أمام منعطف منحدر، ولتدهور لا مفر منه، ولفتور محتمل. على العكس من ذلك، فعندما يُعاش الزواج كرسالة، فإن هذا يقتضي أيضًا التغلب على العقبات، واعتبار كل أزمة كفرصة لتذوق الخمر الافضل. إنه لأمر جيد مرافقة الازواج ليكونوا قادرين على قبول الأزمات التي قد تحصل، وتقبل التحديات وإعطائها مكانًا في الحياة العائلية. ويجب على الازواج أصحاب الخبرة والمدرّبين أن يكونوا مستعدين لمرافقة الازواج الآخرين في هذا الاكتشاف، بحيث لا ترهبهم الازمات أو تؤدي بهم إلى اتخاذ قرارات متسرعة. تخفي كل ازمة خبرًا سارًا يجب تعلم كيفية الإصغاء إليه عبر تنقية سمع القلب.
233. يكون رد الفعل الفوري أمام تحدي الأزمة هو التمرد، واتخاذ موقف الدفاع عن الذات، والشعور بأن الأمور تخرج عن السيطرة، وهذا لأنه يدل على فشل طريقة الحياة وهذا أمر يزعج. عندها يتم استخدام أسلوب إنكار وجود المشاكل، وإخفائها، وادعاء نسبية أهميتها، والمراهنة فقط على مرور الوقت. لكن هذا يؤخر ايجاد الحل، ويؤدي إلى استهلاك الكثير من الطاقة في إنكار غير مجدٍ، يزيد الامور تعقيدًا. فتتدهور الروابط تدريجيًّا وتعزز العزلة التي بدورها تلحق الضرر بالعلاقة الحميمة. في أزمة لا تحظى بحقها من المسؤولية والاهتمام، يكون التواصل في خطر داهم. بهذه الطريقة، وشيئا فشيئًا، "الشخص الذي أحب"، يصير "مَن يرافقني دائمًا في الحياة"، ثم "والد أو والدة أبنائي"، وأخيرًا "شخصًا غريبًا".
234. لمواجهة أزمة ما يجب أن نكون حاضرين. وهذا يبدو صعبًا، لأن الاشخاص أحيانًا ينعزلون بغية عدم إظهار ما يشعرون به، وينغلقون في صمت مضلل ومخادع. في هذه اللحظات، يكون ضروريًّا خلق مساحات للتواصل من القلب إلى القلب. في وقت الأزمات تكمن المشكلة في أن التواصل يصبح أكثر صعوبة إذا لم يتم مُسبقا تعلم كيفية التواصل في أوقات الازمات. إنه فن حقيقي، يتم تعلمه في أوقات الهدوء لتطبيقه في الاوقات الصعبة. يجب مساعدة الزوجين على اكتشاف الأسباب الخفية في قلوبهما ومواجهتها كولادة ستعبر وستترك خلفها كنزًا جديدًا. وقد أشارت الإجابات التي وردت على الاستشارات التي أجرت إلى أنه في الحالات الصعبة أو الحرجة، لا تلجأ غالبية العائلات إلى المرافقة الرعوية، لأنها لا تشعر بأنها مفهومة، قريبة، واقعية، متجسدة. ولهذا، دعونا نقترب الآن من الأزمات الزوجية بنظرة لا تتجاهل حجم الألم والحسرة التي تحمله.
235. هناك أزمات مشتركة تحدث عادة في جميع الزواجات، كأزمات بداية الزواج. حين يبدأ الزوجان في تعلم كيفية الوصول للتوافق في الاختلاف؛ والانفصال عن الاهل؛ أو ازمة ولادة طفل، مع جميع التحديات العاطفية؛ وأزمة الرضاعة التي تغير عادات الأهل؛ وأزمة المراهقة عند الابن، والتي تتطلب طاقات كثيرة وتزعزع الأهل وفي بعض الاحيان تدفعهم للتصادم؛ وأزمة البيت الفارغ والتي تجبر الازواج لأن ينظروا إلى أنفسهم مجددًا؛ والأزمة الناجمة عن شيخوخة أهل الزوجين والذين يحتاجون إلى مزيد من الحضور والاهتمام واتخاذ قرارات صعبة. إنها حالات مُتَطلبة، تسبب المخاوف، والشعور بالذنب، والاكتئاب والتعب ويمكن أن تؤثر تأثيرًا خطيرًا على الاتحاد.
236. وعلاوة على كل ما سبق يُمكن إضافة الأزمات الشخصية والتي تؤثر على الأزواج، كتلك المرتبطة بالصعوبات الاقتصادية، والعمل، والعاطفة، والازمات الاجتماعية والروحية. وقد يضاف إليها ظروف غير متوقعة قد تبدّل الحياة العائلية، وتتطلب مسيرة مغفرة ومصالحة. وهنا ينبغي، في ذات اللحظة التي فيها يحاول كل طرف القيام بخطوة المغفرة، أن يسأل كل شريك نفسه بتواضع هادئ إذا لم يكن هو مَنْ خلق الظروف التي أدت بالآخر إلى ارتكاب بعض الأخطاء. فبعض العائلات تتهاوى حين يلوم الزوجان بعضهما البعض، لكن "تبين التجربة أنه مع مساعدة مناسبة، ومع فعل نعمة المصالحة، فإن نسبة كبيرة من أزمات الزواج يتم التغلب عليها بطريقة مرضية. معرفة منح الغفران والإحساس بأنه قد غُفر لي هما تجربة أساسية في الحياة العائلية". "إن فن المصالحة الشاق، والذي يحتاج إلى دعم النعمة، هو بحاجة إلى التعاون السخي من الأقارب والأصدقاء، وأحيانًا إلى مساعدة متخصصة من الخارج". يتبع
من أقوال البابا فرنسيس
الله لا يخيّب ابداً! لقد وضع رجاء في قلوبنا ليجعله يزهر ويثمر