الإرشاد الرسوليّ ”فرح الحبّ“ (57)
303. انطلاقًا من الاعتراف بثقل المتطلبات الواقعية، يمكننا أن نضيف بأن ضمير الأشخاص يجب أن يُشارك بشكل أفضل في إجراءات الكنيسة، في بعض الحالات التي لا تحقق بشكل موضوعي رؤيتنا عن الزواج. بالطبع، يجب علينا أن نشجع نضج الضمير المستنير، ضمير قد تمت تربيته ومرافقته من قبل التمييز المسؤول والجدي للراعي، ضمير يضع ثقة أكبر في النعمة. لكنَّ هذا الضمير يدرك ليس فقط أن حالة ما قد لا تستجيب موضوعيًّا للمتطلبات العامة للإنجيل؛ بل بإمكانه أيضًا أن يعترف بصدق وبأمانة أن هذا هو الجواب السخي الذي يمكن تقديمه لله، ويكتشف بشيء من اليقين الأدبي أن هذه هي الهبة التي يطلبها الله نفسه وسط تعقيدات الضوابط، حتى ولو لم تبلغ بعد كامِلا النموذج الموضوعي. على كل حال، نذكر أن هذا التمييز هو ديناميكي ويجب ان يبقى دومًا مفتوحًا على مراحل النمو الجديدة وعلى قرارات جديدة تسمح بتحقيق النموذج بشكل أكثر كمالا.
المعايير والتميّيز
304. من المجحف التوقف فقط عند إذا ما كان سلوك شخص ما يستجيب أو لا مع قانون ما أو مع قاعدة عامة، لأن هذا وحده ليس كافًا للتمييز ولضمان الأمانة الكامل لله في الوجود الملموس للإنسان. أرجو بحرارة أن نتذكر دومًا ما كان يعلمه القديس توما الأكويني، وأن نتعلم استيعابه عند ممارسة التمييز الرعوي: "على الرغم من أن هناك حاجة معينة في المبادئ العامة، إلا أننا كلما خضنا في الأوضاع الخاص، كلما وجدنا حالات من الضعف. في الواقع العملي، نجد أنه لا يوجد تساوٍ للجميع أمام حقيقة أو أمام قاعدة عملية، فيما يتعلق بالتطبيقات الخاصة، إنما هناك فقط احترام لِما يتعلق بالمبادئ العامة؛ فأيضًا أولئك الذين يقبلون في حالات خاصة قاعدة عملية معينة، فإن تلك القاعدة لا تكون معروفة على قدم المساواة من قبل الجميع. فكلما دخلنا في التفاصيل كلما خضنا في عمق الحالات الخاصة". صحيح أن القواعد العامة هي جيدة ولا يجب أبدًا تجاهلها أو إهمالها، إنما في صياغتها ليس
بإمكانها أن تشمل جميع الحالات الخاصة. في الوقت نفسه، لا بد من القول، إنه لهذا السبب، ما يجعل تمييزًا عمليًّا حيال حالة معينة لا يمكن رفعه إلى مقام القاعدة. هذا لن يؤدي فقط الى إفتاء لا يحتمل في قضايا الضمير، إنما من شأنه أن يهدد القيِّم التي يجب أن تحاط باهتمامٍ خاص.
305. مع ذلك، لا يمكن للراعي ان يكون راضيًا فقط من خلال تطبيق قوانين أدبية على الذين يعيشون حالات "شاذة"، كما لو كانت حجارة يتم رميها ضد حياة الأشخاص. إنها حالة القلوب المغلقة، التي غالبًا ما تختبئ حتى وراء تعاليم الكنيسة. "تجلس على كرسي موسى وتحكم، بتعالٍ وسطحيّة في بعض الأحيان، على أحوال صعبة وأُسَرٍ مجروحة". في ذات الاتجاه، صرّحت اللجنة اللاهوتية الدولية: "لا يمكن للقانون الطبيعي أن يُقدَّم كمجموعة من القواعد الجاهزة، التي تفرض بدون نقاش على الموضوع الأخلاقي، إنما كمصدر إلهام موضوعي لإجراءاته، الشخصية للغاية، لاتخاذ القرار". من الممكن بسبب المتطلبات أو العوامل المخففة، داخل حالة موضوعية لخطيئة –بحيث لا يكون الشخص مذنبًا بشكل موضوعي أو لا يكون مذنبًا بشكل كامل، يستطيع العيش في نعمة الله، ويستطيع أن يحب ويستطيع أيضًا أن ينمو في حياة النعمة والإحسان، متلقيًّا بهذا الخصوص مساعدة من الكنيسة. يجب على التمييز أن يساعد في إيجاد الطرق الممكنة للاستجابة لله والنمو من خلال الحدود. إننا، بالاعتقاد بأن كل شيء إما أبيض أو أسود، نغلق أحيانًا طريق النعمة، طريق النمو، ونخيب مسارات التقديس التي تمجد الله. لنتذكر بأن "خطوة صغيرة، وسط حدود الإنسان الكبيرة، يمكن أن يقدّرها الرّب أكثر من حياةٍ صالحةٍ خارجيًّا، حيث يقضي الإنسان أيامها بدون التعرض لصعوبات جسيمة". إن الرعوية الملموسة للخدّام والجماعات لا يمكنها إلا أن تتبنى هذا الواقع.
306. في كل الأحوال، أمام أولئك الذين يواجهون صعوبات في أن يعيشوا بالتمام القانون الإلهي، يجب أن يتردد مجددًا صدى دعوتهم إلى متابعة درب المحبة via caritatis. إن المحبة الأخوية هي القانون الأول للمسيحيين (يو 15، 12؛ غل 5، 14). دعونا ألا ننسى وعد الكتاب المقدس: "قَبلَ كُلِّ شَيء لِيُحبَّ بَعضُكم بَعضًا محبَّةً ثابتة، لأَنَّ المَحبَّةَ تَستُرُ كَثيرًا مِنَ الخَطايا" (1 بط 4، 8). "كَفِّرْ عن خَطاياكَ بِالصَّدَقَة وآثامِكَ بِالرَّحمَةِ لِلبائِسين" (دا. 4، 24). "الماءُ يُطفِئ النَّارَ المُلتَهِبَة والصَّدَقَةُ تُكَفّرُ الخَطايا" (سي 3، 30). وهذا ما علَّمَه أيضًا القديس أوغسطينوس: "مثلما في خطر الحريق نسارع ونجلب الماء لإطفائه، كذلك، إذا هبّ في قشّنا لهيب الخطيئة، واضطربنا من جرّائه، فعندما تتوفّر لنا فرصةُ عمل رحمة، لنفرحنَّ لمثل هذا العمل وكأنه ينبوع يقدّم لنا لنتمكّن من إطفاء الحريق".
يتبع