• Home
  • رسائل الأحد
  • التوصيات
  • أخبار الرعية
  • مكتبة الصوَر
  • للأتصال

رسالة الاحد العدد 1221

  • Print
  • Email

 

 رجاء القيامة والمصالحة الحقيقية

 

       يكثر الكلام في هذه الأيام على الوفاق والتوافق والمصالحة في جوّ التحالفات السياسية والانتخابية والحزبية والوطنية؛ كل ذلك قبل ولوج صناديق الاقتراع للانتخابات النيابية في 6 أيار المقبل.

هل بقي لهذه الكلمات معناها الحقيقي بعد استهلاكها في الحملات الانتخابية ؟

في أحد قيامة الرب يسوع المسيح من الموت، أحد الفصح، أحد العبور من الخطيئة إلى النعمة، من الظلمة إلى النور، من العبودية إلى الحرية، من الموت إلى الحياة،

يجدر بنا أن نتوقّف عند ما تحمل هذه الكلمات من قيم وأن نعيد الالتزام بها في حياتنا اليومية.

يجدر بنا أن نعود إلى ذواتنا لنقوم بفحص ضمير عميق وبفعل توبة صادق فننقّي ذاكرتنا ونحرّر وجداننا التاريخي من كل أشكال الأحقاد والعنف الموروثة من أخطاء الماضي؛ فنصفح ونطلب المغفرة، ونحقّق معًا المصالحة الحقيقية التي هي شرط للوفاق. والصفح والمغفرة مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بحيث تنبع منهما المصالحة. ولا مصالحة من دون صفح ومغفرة.

ويجدر بكنيستنا،التي ختمت منذ أسابيع الاحتفالات بالسنة اليوبيلية للشهادة والشهداء وذكرت شهداءها عبر الأجيال، أن تقف اليوم بشجاعة وجرأة وتواضع أمام التاريخ وأمام الضمير وأمام الله لتندم وتتوب، فتصفح عن الإساءات التي ارتُكبت بحقها وبحق أبنائها، وتطلب المغفرة عن الأخطاء التي ارتكبها ويرتكبها أبناؤها.

تاريخ كنيستنا هو تاريخ قداسة لا سياسة ! ” لأن مؤسسها هو ناسك قديس. ففي القداسة بدايتها، وفي القداسة ضمانتها، وفي القداسة استمراريتها، وبدون قداسة نهايتها“، كما يقول الأب ميشال الحايك.

ويجدر بنا أخيرًا، في أحد القيامة، أن نجثو أمام المسيح المصلوب الذي حمل صليب خطايانا ومات وقام، وهو قائم وحيّ أبدًا بيننا، فنقدم له ذواتنا ونحن تائبون ونستعدّ لمواجهة تحديات هذا الزمن.

1-التحدي الأول هو تحدي الصفح والمغفرة

نجثو اليوم أمامك أيها السيد لنصفح ونطلب المغفرة عن كل موروثات الماضي ونتساءل: هل نستطيع أن نصفح عن إساءاتٍ واضطهادات واحتلالات لا زالت تمارس في وطننا وفي محيطنا الشرق أوسطي فتقتل وتشرّد وتهجّر؟ هل نجرؤ أن نطلب المغفرة عن ممارسات خاطئة وفاسدة نتحمّل مسؤوليتها في السلطة والإدارة والحياة الاقتصادية ؟ إنها مهمة صعبة. لكنك علّمتنا، أيها المسيح، أن ”نغفر ليغفر لنا أبونا السماوي“ (متى 6/14)؛ أن نغفر حتى لمن لا يطلب المغفرة؛ وأن ” نغفر سبعين مرّة سبع مرات“ (متى 18/22)! وأن نغفر من صميم القلب، لنستحق أن نكون أبناء أبينا الذي في السماوات !

2-التحدي الثاني هو تحدي عيش المحبة

نعرف أن لا أحد يستطيع أن يصفح وأن يطلب المغفرة إلا إذا كان يحبّ، ويحبّ إلى أقصى حدود. والمحبة كانت وصيتك الجديدة والوحيدة (يوحنا 15/12)، وأصبحت العلامة الفارقة والمميزة للمسيحيين تلاميذك. وطلبتَ أن نبدأها مع بعضنا: ” إذا أحببتم بعضكم بعضًا يعرف العالم أنكم حقًا تلاميذي“ (يوحنا 13/35).

لذا فاننا نعد في يوم القيامة بأن نعيش تحدي المحبة التي عشتَها أنت، وهي المحبة التي تعطي ذاتها من دون حساب، بحيث نعمل، في الأزمة الخانقة التي يعاني منها شعبنا اليوم، على أن يفتح الغنيّ عينيه فيرى أخاه الفقير ويفتح له قلبه ويحبه فيلتقيان على المائدة الواحدة، مائدة عرس الحمل. ونعمل على أن لا يكون بيننا أغنياء متخمون وفقراء محرومون، وأن لا يكون حكام مسلّطون ومواطنون مظلومون.

إنها مهمة صعبة. لكنك علّمتنا أيها المسيح، أن المحبة تبذل ذاتها في سبيل من تحب، وتصل إلى أقصى حدودها فترضى بالموت من أجل الحياة. وعلّمتنا أن المحبة هي من فيض الله تعاش مع إخوتك هؤلاء الصغار الذين سنلتقيهم يوم الدينونة.

3-التحدي الثالث هو تحدي عيش الشهادة حتى الاستشهاد

تعرف كنيستنا، وهي تسير معك على درب الجلجلة، أنها ستصل إلى الشهادة لك والاستشهاد من أجلك وحبًا بك.على مثال المئات بل الآلاف من شهدائنا المعروفين وغير المعروفين وقد احتفلنا بذكراهم ولا نزال ننبش التاريخ بحثًا عن كتابة شهاداتهم.

وتعرف كم كان قيافا ساذجًا ومخطئًا عندما تنبّأ بأنه ”خير للجماعة أن يموت إنسان واحد عن الشعب كله“ (يوحنا 18/14)، وفاته أن هذا الموت سيخلّص البشرية وأن هذه المحبة التي رضيت بالموت هي أقوى من الموت وأقوى من كل سلطنات الدنيا.

فالاستشهاد هو قمة المحبة التي تضحي بذاتها وتقبل بالموت لتدخل مع المسيح في عمق سر الفداء، وهي تردّد معه: ” إغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون“ (لوقا 23/34).

لذا فإن كنيستنا تَعِدُ بأن تتابع مسيرة الشهادة والاستشهاد التي بدأت برهبان مارون الثلاثماية والخمسين، مرورًا بالبطريرك جبرائيل الحجولاوي وصولاً إلى آخر شهيد يدفع اليوم ثمن إيمانه بالمسيح المحبة موتًا من أجل الحياة.

لكنك علمتنا أيها المسيح أن حبة الحنطة إن لم تقع وتمت في الأرض تبقى مفردة وإن ماتت تأتي بثمار كثيرة. هذا هو عمق سرّ فدائك.

نعم أيها المسيح الإله، إن كنيستنا الساجدة لك، وبالرغم من خطايا أبنائها، هي كنيسة القديسين. فهي تتقدس كل يوم بالروح الحالّ فيها وبنساكها وقديسيها وشهدائها. إنها تفتخر بأن تكون كنيسة الصلبوت في متاهات الناسوت لأنها ترافقك في مسيرة آلامك حتى الصليب لتموت معك عن كل الأخطاء الماضية والحاضرة والمستقبلة، مرورًا بسبت النور والقبر الفارغ، إلى القيامة، راجيةً أن تقوم معك إلى حياة جديدة ورسالة جديدة تفتح الطريق أمام المصالحة الشاملة والحقيقية بين ابنائها وبين جميع اللبنانيين فيعيدوا معاً بناء لبنان وطناً رسالة في المحبة والحرية واحترام التعددية.      

المطران منير خيرالله

 

Copyright © Designed by Shukrallah Assaf 2026 All rights reserved. Custom Design by Youjoomla.com
YJSimpleGrid Joomla! Templates Framework official website
رسائل الأحد