الإرشاد الرسوليّ ”فرح الحبّ“ (58)
منطق الرحمة الرعويّة
307. لتجنب أي تفسير منحرف، أذكر بأنه لا يجب على الكنيسة بأي شكل أن تكف عن تقديم المثال الكامل للزواج، تدبير الله، في كل عظمته: "ينبغي تشجيع الشباب المعمدين على عدم التردد أمام مشاريع حبهم والتي ستغتني بقبول سر الزواج، متقوِّيين بالعون الذي يحصلون عليه من نعمة المسيح، ومن إمكانية المشاركة الكاملة في حياة الكنيسة". إن الفتور، وأي من أشكال النسبية، أو المبالغة المفرطة عند تقديم الزواج، سيمثل عدم أمانة للإنجيل وأيضًا نقصًا في حب الكنيسة للشباب أنفسهم. إن فهم الحالات الاستثنائية لا يعني إخفاء ضوء المثالية الكاملة، ولا يعني التقليل من إعطاء أقل مما يقدمه يسوع الى الكائن البشري. اليوم، يُعد الجهد الرعوي لتعزيز الأزواج، ومن ثمَّ الوقاية من الانفعالات، أكثر أهمية من العمل الرعوي الموجه لحالات الفشل.
308. ومع ذلك، ينتج عن وعينا لوطأة الظروف المخففة -النفسية، والتاريخية وحتى البيولوجية- أنه "دون إنقاص قيمة النموذج الانجيليّ الأعلى، من الواجب مرافقة مراحل النمو الممكنة، برحمة وصبر، لدى الأشخاص الذين يبنون أنفسهم يومًا بعد يوم"، مفسحين المجال "لرحمة الرب التي تحثنا على عمل الخير الممكن". إنّي أفهم الذين يفضّلون رعوية أكثر صلابة لا تفسح المجال لأي التباس. ولكني أؤمن فعلا بأن يسوع يريد كنيسة متنبهة للخير الذي يسكبه الروح القدس في قلب الضعف: فالأم [الكنيسة]، وهي تعبّر بوضوحٍ عن تعليمها الموضوعي، "لا تتخلّى عن الخير الممكن، حتى إذا تعرضت للتلوّث بوحل الطريق". إن الرعاة الذين يقدمون للمؤمنين النموذج الإنجيلي الكامل وعقيدة الكنيسة، عليهم مساعدتهم أيضًا على تبني منطق التعاطف تجاه الأشخاص الضعفاء، وتجنب الاضطهاد أو الاحكام القاسية وغير الصبورة. يطلب منا الانجيل نفسه عدم الحكم وادانة الآخرين (را. متّى 7، 1؛ لو 6، 37). يسوع "ينتظر منا أن نتخلّى عن البحث عن تلك الملاجئ الشخصيّة أو الجماعيّة التي تسمح لنا بالبقاء بعيدين عن قلب المآسي البشريّة، حتى نقبل حقًّا بالاتّصال بوجود الآخرين الحسّي وبالتعرّف على قوّة الحنان. إذا فعلنا ذلك، تصبح حياتنا رائعة".
309. إنه لمِن العناية الإلهية أن تتمّ هذه التأملات في سياق السنة المكرسة ليوبيل الرحمة، لأنه حتى حيال أكثر الأوضاع اختلافًا والتي تهم العائلة فإن "رسالة الكنيسة هي إعلان رحمة الله، القلب النابض للإنجيل، والتي عليها أن تبلغ قلب وعقل كل إنسان. إن عروس المسيح تتبنى موقف ابن الله الذي انطلق لملاقاة الجميع دون أن يستثني أحدًا". إنها تعرف جيّدًا أن يسوع قد قدم نفسه كراعي المائة خروف، وليس لتسعة وتسعين. إنه يحبهم جميعًا. وانطلاقًا من هذا الوعي، سيتمكن "الجميع، مؤمنين وبعيدين عن الإيمان، من الحصول على بلسم الرحمة كعلامة لملكوت الله الحاضر بيننا".
310. لا نستطيع أن ننسى أن الرحمة "ليست فقط عمل الآب، وإنما تصبح المعيار أيضًا لفهم من هم أبناؤه الحقيقيون. لذلك نحن مدعوون لعيش الرحمة، لأننا قد رُحمنا أولا". الأمر لا يتعلق باقتراح رومنسي أو باستجابة ضعيفة حيال حب الله الذي يريد دائمًا تشجيع الأشخاص، لأن "الدعامة التي ترتكز إليها الكنيسة هي الرحمة. وكل نشاطها الرعوي ينبغي أن يُلفّ بالحنان الذي تتوجه به إلى المؤمنين؛ وينبغي ألا يفتقر أي جزء من إعلانها وشهادتها حيال العالم من الرحمة". صحيح أنه "غالبًا ما نتصرّف وكأننا مراقبون للنعمة، لا كميسرين لها. فالكنيسة ليست دائرة جمارك، إنها البيت الأبوي، حيث يتوفّر مكان لكلّ واحد مع حياته الصعبة".
311. لا ينبغي على تدريس اللاهوت الأدبي أن يتوقف عن تقديم هذه الاعتبارات، لأنه، حتى ولو كان صحيحًا أنه يجب الحرص على شمولية تعاليم الكنيسة الأخلاقية، إلا أنه يجب إيلاء اهتمام خاص دائمًا في تسليط الضوء وتشجيع أسمى قيم الإنجيل الاساسية، ولا سيما أولوية المحبّة كرد على المبادرة المجانية لمحبة الله. أحيانًا يكلفنا الكثير إفساح المجال في رعوية حب الله غير المشروط. لقد وضعنا الكثير من الشروط للرحمة لدرجة تفريغها من المعنى الملموس والمعنى الحقيقي، وهذا هو أسوأ وسيلة لإعلان الإنجيل. صحيح، على سبيل المثال، أن الرحمة لا تستبعد العدالة والحقيقة، لكن علينا قبل كل شيء أن نعلن أن الرحمة هي ملء العدالة والإعلان المضيء عن حقيقة الله. لذا، ينبغي دائمًا اعتبار أن "كل اقتناع لاهوتي يدعو في نهاية المطاف إلى التشكيك في قدرة الله ذاته، وعلى وجه الخصوص رحمته، هو اقتناع غير لائق".
312. يوفر لنا هذا إطارًا ومناخًا يمنعانا من تطوير تعليم أدبي بارد، ونظري بحت، في التعامل مع القضايا الأكثر حساسية، ويضعنا بدلا من ذلك في سياق التمييز الرعوي المفعم بالحبّ الرحيم، الذي يجعلنا مستعدين دائمًا لأن نفهم، ونغفر، ونتابع، ونرجو، وقبل كل شيء نسعى لإدماج الآخرين. هذا هو المنطق الذي يجب أن يسود في الكنيسة، من أجل "عيش خبرة انفتاح القلب على أولئك الذين يعيشون في الضواحي الوجودية الأكثر نأيًا". أدعو المؤمنين الذين يعيشون في حالات معقدة إلى الاقتراب بثقة لمقابلة رُعاتهم أو العلمانيين المكرسين للرب. قد لا يجدون لديهم دائمًا تأكيدًا لأفكارهم أو لرغباتهم الخاصة، لكنهم سيحصلون بالتأكيد على الضوء الذي سيتيح لهم فهم أفضل لما يجري وسيكون بإمكانهم اكتشاف مسيرة للنضج الشخصيّ. وأدعو الرعاة للاستماع بكل مودة وصفاء، مع الرغبة الصادقة للوصول الى قلب مأساة الاشخاص وفهم وجهة نظرهم لمساعدتهم على العيش بشكل أفضل والتعرف على مكانهم في الكنيسة. يتبع