الإرشاد الرسوليّ ”فرح الحبّ“ (59)
الفصل التّاسع: الروحانيّة الزوجيّة والعائليّة
313. تتخذ المحبّة ملامح متعددة، وفقًا لحالة الحياة التي دُعي إليها كلّ واحد. والمجمع الفاتيكاني الثّاني، منذ بضعة عقود خلت، عند معالجته لرسالة العلمانيّين، كان يؤكد على الروحانيّة التي تنبع من الحياة العائليّة. وكان يؤكد أنّه على روحانيّة العلمانيّين "أن تتضمّن هيكليّة خاصّة بها وفقًا لشروط حياة كلّ فرد"، بما فيها "الحياة الزوجية والعائلية"، وأنّ الاهتمامات العائليّة لا ينبغي أن تكون غريبة عن نمط حياتهم الروحيّة. لذا سيكون من المفيد التوقّف باختصار لوصف بعض الملامح الأساسيّة لهذه الروحانيّة الخاصّة، والتي تتطور في ديناميكيّة العلاقات الخاصة بالحياة العائليّة.
روحانيّة الشرّكة الفائقة للطبيعة
314. تحدثنا دائمًا عن أن الله يسكن في قلب الانسان الذي يعيش في نعمته. ونستطيع اليوم القول أيضًا إنّ الثالوث الأقدس هو حاضر في هيكل الشَّرِكة الزوجيّة. هكذا كما يقيم في مدائح شعبه (را. مز 22، 4)، ويحيا في حميميّة الحبّ الزوجيّ الذي يمجّده.
315. إن حضور الربّ يتجلى في العائلة الحقيقيّة والواقعيّة، ويرافق كافة معاناتها ونضالاتها، وأفراحها وطموحاتها اليوميّة. فعندما نعيش في أسرة، من الصعب أن يكون هناك مكان للتظاهر والكذب، وليس بإمكاننا أن نضع قناعًا. إن كان الحبّ هو الذي ينعش هذه الحقيقة، فإنّ الربّ يملك بفرحه وسلامه على تلك العائلة. تتكون روحانيّة الحبّ العائلي من آلاف اللفتات الملموسة والواقعيّة. فالله يتّخذ، في تنوع الهبات واللقاءات هذا، والذي يُنضّج الشركة، سكناه الخاص. إن هبة الذات هذه توحد معًا "الإنسانيّ والإلهيّ"، لأنها مفعمة من محبّة الله. الروحانيّة الزواجيّة، في النهاية، هي روحانيّة الرباط الذي تسكنه المحبّة الإلهيّة.
316. إنّ شركة عائليّة مُعاشة بطريقة جيّدة، هي مسيرة قداسة حقيقيّة في الحياة الاعتياديّة، ونموّ صوفي، ووسيلة اتحاد حميم مع الله. في الواقع، الاحتياجات الأخويّة والجماعية للحياة العائليّة هي فرصة لفتح القلب أكثر فأكثر، وهذا يجعل اللقاء الكامل
بالربّ ممكنًا. تقول كلمة الله إن "مَن أُبغَضَ أَخاه فهو في الظَّلامِ وفي الظَّلامِ يَسير" (1 يو 2، 11)، و"يبَقى رَهْنَ المَوت" (1 يو 3، 14) و"لم يعرف الله" (1 يو 4، 8). لقد قال سلفي بندكتس السّادس عشر إنّ "من يَغْلقُ عينيه أمامَ قريبه يعمي نفسه عن مشاهدة الله أيضًا" وإنّ الحبّ بالأساس هو النّور الوحيد الذي "يُنيرُ دائمًا العالمَ المظلمَ". وإنّه "إِذا أَحَبَّ بَعضُنا بَعضًا" حينها فقط يكون "الله فينا مُقيمٌ ومَحَبَّتُه فينا مُكتَمِلَة" (1 يو 4، 12). وبما أنّ "البُنْية الطبيعية للشخص البشري تنطوي على بُعْدٍ اجتماعي" وأن "البُعْد الاجتماعي للشخص تجسَّد، أوّلا وأصلا، في الزوجين والأسرة"، فالروحانيّة تتجسّد في الشَّرِكة العائليّة. من ثمَّ، فإن أصحاب الرغبات الروحيّة العميقة، لا ينبغي أن يشعروا بأنّ العائلة تبعدهم عن النموّ في الحياة الروحيّة، بل أنها تشكّل دربًا يختارها الربّ كي يقودهم إلى قمّة الاتحاد الروحانيّ.
معًا في الصلاة على ضوء الفصح
317. إذا استطاعت العائلة أن تتمحور حوّل المسيح، فهو يوحد وينير الحياة العائليّة بأسرها. فتُختبر الآلام والمصاعب بشّركة مع صليب الرب، وتسمح معانقته بتحمّل أسواء الأوقات. فتكون أيّام العائلة المرّة، اتحادًا مع المسيح المتروك، والذي يعينها على تجنّب فسخ العلاقة. فتصل العائلات رويدًا رويدًا إلى "تحقيق قداستها، من خلال الحياة الزوجية، بنعمة الروح القدس وبالمشاركة أيضًا في صليب المسيح، الذي يحوِّل الصعوبات والآلام الى عطية حب". من ناحية أخرى، تُختبرُ لحظات الفرح، والراحة أو العيد، وحتى الجنس، كمشاركة في ملء حياة قيامته. يشكل الأزواج، عبر مختلف اللفتات اليوميّة، "الفسحة اللاهوتيّة التي من خلالها يستطيعون اختبار الحضور الروحيّ للربّ القائم من بين الأموات".
318. إنّ الصلاة في العائلة هي وسيلة متميزة للتعبير عن هذا الإيمان الفصحيّ وتقويته. فبإمكان أفراد العائلة أن يجدوا بعض الدقائق كلّ يوم كي يبقوا متّحدين أمام الرب الحيّ، ويخبروه بالأمور التي تقلقهم، ويصلوا من أجل احتياجات العائلة، ومن أجل شخص يمرّ بوقت صعب، ويطلبوا منه أن يساعدهم ليحبوا، ويشكروه على الحياة وعلى الأشياء الجيدة، ويطلبوا من السيّدة العذراء الحماية تحت ظل عباءتها الأموميّة. وبعبارة بسيطة، وقت الصلاة هذا يستطيع أن يفعل الكثير من الخير للعائلة. وتعتبر مختلف تعابير عبادات التقوى الشعبيّة كنزًا روحيًّا للعديد من العائلات. إن مسيرة الصلاة الجماعيّة تصل إلى ذروتها في المشاركة في الإفخارستيا، خاصّة في أيام الآحاد. فيسوع يقرع على باب العائلة كي يتشارك معها عشاء الإفخارستيا (را. رؤ 3، 20). هنا، يستطيع الزوجان من جديد ختم العهد الفصحيّ الذي جمعهما، والذي يعكس العهد الذي مهره الله على الصليب مع الإنسانيّة. إنّ الإفخارستيّا هي سرّ العهد الجديد الذي فيه يتحقق عمل المسيح الفادي (را. لو 22، 20). هكذا نلاحظ الروابط الوثيقة القائمة بين الحياة العائلية والإفخارستيا. فقوت الإفخارستيّا يشكّل قوّة وحافزًا كي نعيش كلّ يوم العهد الزوجيّ مثل "كنيسة بيتيّة".
يتبع