الإرشاد الرسوليّ ”فرح الحبّ“ (60)
روحانيّة الحبّ الحصريّ والحرّ
319. نحيا في الزواج أيضًا معنى الانتماء الكامل لشخص واحد. فيقبل الزوجان التحدّي والتوق ليشيخا ويقضيا العمر معًا، وهكذا يعكسان أمانة لله. هذا القرار الحازم الذي يعبّر عن نمط حياة، هو "مقتضى داخلي يفرضه عهد الحب الزواجي"، لأنّ "مَن لا يقرّر أن يحبّ إلى الأبد، من الصعب أن يستطيع أن يحبّ بصدق ولو ليوم واحد". لكنَّ هذا لن يكون له معنى روحانيّ إذا كان مجرد استسلام لقانون ما. إنّه انتماء القلب، حيث الله وحده يمكنه أن يرى (را. متّى 5، 28). فالإنسان كلّ صباح، عند الاستيقاظ، يجدّد أمام الله عهد الوفاء هذا، مهما حصل خلال ذاك النهار. وكلّ واحد، عندما يأوي إلى الفراش، ينتظر أن يستيقظ لاستكمال هذه المغامرة، واضعًا ثقته بمعونة الله. هكذا، كلّ شريك يكون بالنسبة للآخر علامة وأداة للتقرّب من الرب، الذي لا يتركنا بمفردنا: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (متّى 28، 20).
320. هناك نقطة يصل عندها حبّ الزوجين إلى أقصى درجات التحرّر، ويصبح فسحة من الاستقلاليّة السليمة: عندما يكتشف كلّ منهما أنّ الآخر ليس ملكه، بل لديه مالك أهمّ بكثير، ربه الأوحد. ما مَن أحد يستطيع أن يزعم أنّه يملك الخصوصيّة الشخصيّة والسريّة للغاية للإنسان المحبوب، وحده الله يستطيع أن يستحوذ على صميم حياته. في الوقت عينه، يقتضي مبدأ الواقعيّة الروحيّة ألا يزعم الشريك أنّ على الآخر أن يلبّي احتياجاته بالكامل. فمن الضروريّ أن يساعد المسار الروحيّ كلّ واحد – كما يشدّد عليه بونهوفر Dietrich Bonhoeffer – على عدم السقوط في "خيبة الأمل" من الآخر، والتوقف عن التوقع من ذاك الشخص ما هو بالحقيقة مرتبط بحبّ الله. إنّ ذلك يتطلّب تخليًّا داخليًّا. إن الفسحة الحصريّة التي يكرّسها أيّ من الشريكين لعلاقته الشخصيّة مع الله، لا تسمح فقط بمعالجة جروح التعايش معًا، بل أيضًا باكتشاف معنى وجوده الخاص في محبّة الله. نحتاج كلّ يوم إلى استدعاء عمل الروح القدس، كي تصبح هذه الحريّة ممكنة.
روحانيّة الاعتناء، والتعزية والتشجيع
321. "الزوجان المسيحيان هما معاونان للنعمة، وشاهدان للإيمان، الواحد للآخر، وأمام الأبناء وسائر أفراد العائلة". يدعوهما الله للإنجاب ولرعاية بعضهما البعض. لهذا السبب تبقى العائلة "دائمًا »المستشفى « الأقرب". دعونا إذا نعتني بعضنا ببعض، ونساعد بعضنا البعض، ونشجع بعضنا البعض بتبادلية، ولنحيا كل هذا كجزء من روحانيتنا العائليّة. فحياة الشريكين هي مشاركة في عمل الله الخصب، ويكون أحدهما للآخر، تحريضًا دائمًا للروح. إنّ حبّ الله يُعبَّر عنه "من خلال الكلمات الحيّة والواقعيّة التي يتبادلها الرجل والمرأة في حبّهما الزوجيّ". هكذا، يكون الاثنان فيما بينهما انعكاسًا للحبّ الإلهيّ الذي يُعزي من خلال الكلمة، والنظرة، والمساعدة، واللمسة والعناق. غير أن، "الرغبة في تأسيس عائلة تعني التصميم على أن نكون جزءًا من حلم الله، نختار أن نحلم معه، وأن نريد أن نبني معه، وأن ننضم إليه في ملحمة بناء عالم لا يشعر أحد فيه بالوحدة".
322. إن حياة العائلة بأسرها هي "مرعى" رحيم. حيث يرسم ويكتب كل واحد، بعناية، في حياة الآخر: "أَنْتُمْ رِسَالَتُنَا، مَكْتُوبَةً فِي قُلُوبِنَا لاَ بِحِبْرٍ بَلْ بِرُوحِ اللهِ الْحَيِّ" (2 قور 3، 2- 3). كلّ واحد هو "صيّاد بشر" (لو 5، 10) يرمي، باسم المسيح، الشباك (را. لو 5، 5) في الآخرين، أو فلاح يحرث في تلك الأرض الجديدة والتي هي أحبّاؤه، محفِزًا أفضل ما لديهم. إنّ الخصوبة الزوجيّة تشمل الترويج، لأن "محبة شخص تعني أن تنتظر منه شيئًا لا يمكن تعريفه، شيئًا لا يمكن التنبؤ به؛ وفي الوقت عينه، منحه، بشكل ما، الوسيلة للجواب على هذا الانتظار". إنها عبادةٌ لله، لأنّ الله هو الذي غرس العديد من الأشياء الصالحة في الآخرين، على رجاء أن نعمل على تنميتها.
323. إنّها خبرة روحيّة عميقة، خبرة تأمّل كلّ قريب بعيون الله والتعرف على المسيح فيه. يتطلّب هذا استعدادًا مجّانيًّا يسمح بتقدير كرامته. يمكنك أن تكون موجودًا بشكل كامل أمام الآخر إذا تمت هبة الذات دون تبرير، ناسيًا كلّ ما هو حولك. هكذا يستحقّ الإنسان المحبوب كلّ الانتباه. لقد كان يسوع نموذجًا، لأنّه عندما كان أحد يسعى لأن يكلّمه، كان ينظر إليه ويثبّت نظره عليه، كان ينظر إليه بحبّ (را. مر 10، 21). لم يكن أحدًا يشعر بأنّه مهملٌ بحضرته، لأنّ أقواله وأفعاله كانت تعبيرًا عن هذا السؤال: "مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ؟" (مر 10، 51). هذا ما نعيشه في الحياة العائليّة اليوميّة. فيها نتذكّر أنّ الإنسان الذي يعيش معنا، يستحقّ كلّ شيء، لأنّه صاحب كرامة لامتناهية، لكونه موضوع حبّ الآب العظيم. هكذا يتدفق الحنان، القادر على أن "يثير في الآخر فرحَ الشعور بأنّه محبوب. حنان يتجلَّى خصوصًا عندما يلتفت بانتباه وبرقة نحو الآخر في حدوده –لا سيما عندما تظهر للعلن- بطريقة جلية".
يتبع
من أقوال البابا فرنسيس
- أعظم شخص في الحياة هو أنت، لأنك على صورة الله ومثاله.
- يقول يسوع لكلٍ منا: حياتك ثمينة للغاية بالنسبة لي، لدرجة أنني أهب نفسي بالكامل كي أفديها.
- عندما نتكلم عن القديسين لا نفكرنّ فقط بالذين تمَّ تطويبهم أو أُعلنت قداستهم. إن الروح القدس يفيض القداسة في كل مكان في شعب الله.